
الـــوعـي وعــلامــات الــــزوال (الجــزء الثــاني والثـلاثيــن):-
هــذا العمـــل يمثـــل تحليــــلًا أســــتقرائيـا, يعتمـــد عـلى المؤشـــرات والســـياقات الســياســية المتـــاحة علنــــا, فـي ظـــل تغييــب المعـــلومـات المباشـــرة أو الرســـمية حــول بعـــض الملفـــات الحســاســة. البعـــض يعتقــــد أن الأســتقراء أو التحليــل المنطقــي للجــاري مـن الأحـــداث بأســـتحضار نظــرية المـؤامــرة. لكـن المعطيـــات المعلنـــة وأن كانـــت غــير واضـــحة (مبهمــــة), لكـــن بالتحليـــل وفـق المنهجيـــة المنطقـــية قــد نحصـــل عـلي دلالات عميقــــة.
هــذا النــص يعتمـــد عـلي التعـــامل مـع الـرمـزيــة والتحليـــل المركـــب, وهــو دعـــوة للتفكـــــر لا للتحــــريض وآثــارة البــلابـل, وللتـــأمـل لا للمـــزايــدة, ولإعـــادة قـــراءة التــاريـخ والفكـــر بمـا يخـــدم يقظـــة الـوعي, لا الأنفعـــال الســـطحي.
أعــادة تقســيم الـوطـن العــربي لا يهــدف الـي أحـلال الســلام أو التنميـــة، أنمـا التفتتيــت الـي دويــلات متنــاحرة تفتقـــر الـي مقــومـات الدولــة الحديثــــة، والدليـــل يكمــن فـي التصــريح المغلـــف لـ جـي دي فانـس فـي 22 مـايـو 2025م.
تصــريحـات فـانـس جــاءت خــلال خطــاب لـه فـي الأكاديميــة البحــرية الأمريكيـــة “عوضــا عــن تركيـــز طـاقـاتنـــا للأســتجابة إلـى ظهــور منافســين جــدد مثــل الصــين، زعمـــاؤنا أختــاروا ملاحقــة مـا أفترضـــوا أنـه عمــل ســـهل بالنســبة لأقــوى دولــة بالعـــالـم، كـم ســيكون صــعبا بنــاء بعــض الديمقراطيــات فـي الشــرق الأوســط؟ حســـنا، كمـا تبيــن، فـأن ذلـك مستحيـل تقريبـــا، ومكلــف بصــورة لا تصـــدق، ولـم يكــن ســياســيونا هـم مـن يتحمــل تداعيــات مثــل هــذا الخطــأ بالتقــدير والحســـاب بـل كـان الشــعب الأمـريـكي وبنحــو تريليـــون دولار.
وأضــاف فـانـس فـي جــزء آخــر مـن خطــــابه “الأســبوع الماضــي، قـــام (المطــور العقــاري) بـرحــلة تاريخيــة الـى الشــرق الأوســط وقـابـل الزعمـــاء فـي قطــر والســـعودية والأمـــارات، أغلــب العنـــاوين ركـــزت عـلى الأســـتثمارات وتريليــونات الـدولارات الـتي أمنــها الرئيـس لدولتنـــا وهــذا مهــم بالطبـــع، ولكــن أعتقــد أن أكثــر جــزء مهــم فـي هــذه الرحــلة هــو أنهــا كانــت مؤشـــر عـلى نهـــايـة تـوجـه فـي الســياسـة الخارجيـــة أمتـد لعقــد مـن الـزمـان، حــيث كـان لدينــا مقايضــة الـدفــاع وصــيانة التحـالفــات مـن أجــل بنــاء الأمـم والتدخــل فـي الشــئون الداخليــة للــدول الأجنبيــة، رغــم أن بعـض هـذه الــدول لديهــا القليــل فقــط مـن الفـائـدة للمصــالح الأمريكيــة، ما رأينــا مـن المطــور العقــاري كـان نقــلة نوعيــة للسـياســة”.
لســـت أدري مـاذا أســمي المعــاني الكامنـــة فـي تصـــريح فـانـس أهـي نظــرية فوقيـــة وأهــانة للعـــرب؟ أم أن الأســتحواذ عـلي الأمـوال مقايضـــة أم أبتـــزاز؟.
لــذا حمــاية الـدول العربيـــة هـي مســـئولية شــعوبها وقيــاداتهـا، الخطــر محــدق والمخططــات تنســـج بـدقـة فـي الخفــاء. الـوعـي الجمــاعي والأرادة الصــلبة همـا مفتــاح أفشـــال المخططـــات قــبل فــوات الأوان. السـلام الحقيقــي فـي القــوة ولا يتحــقق عـبر الأسـتسـلام أو المعــاهدات الزائفـــة.
هــل مـا حـدث فـي القــرن الماضـــي كـان أعــادة لتشـــكيل هـويـة الأمــة العربيــــة؟ أم مازالــت الأمـة العربيــــة فـي مرحـلة أعــادة التشــكيل؟.
أعتقـــد أن الأمـة العربيـــة لـم تصـــل بعــد الـي مرحـلة الثبـــات، والدليـــل حـالـة عـدم اليقيــــن وأســتمرار النـزاعـات والحـروب الأهليـــة “بعضــها مغلــف”، وأحيــانـا غيــاب الشــرعية وحـالـة التفكــك والهيمنــــة الغربيـــة. كلهــا تعــني عـدم الثبـــات فـي ضـــوء التفكــك الأســتراتيجي والسـياسـي والفكـــري، التــوازن والثبـــات والرشـــاد لـم يــآتي بعـــد. هــوية الأفــراد مـن جـوهـر الأمـة بعــيدا عـن الحـدود الجغـرافيــة، هــويـة الأفــراد لا تخضــع للمفهــوم العــرقي أو الحــدودي أنمـا يخضـــع لجـوهـر الأمـة المـوحـدة “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. ســورة آل عمــران 110”.
المرجعيـــة الشــرعية وليســت بالضــرورة الشــريعة بمفهــومهـا القــانوني أن جـاز التعبيـــر، لكــن شــرعية الأنظمــة الملتــزمـة بالأســلام وبتطــبيق مـا جـاء فيــه لضــمان العــدل فـلا عنصــرية ولا طائفيـــة، ولا عرقيــــة “إِنَّ اللهَ تعالى لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ ، ولكنْ إِنَّما ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم. الراوي: أبـو هـريــرة والمحــدث: الألبــاني والمصـــدر : صــحيح الجــامـع وخلاصــة حكـم المحــدث: صــحيح – لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأبيضَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أبيضَ – : إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ ، وآدمُ من ترابٍ. المحــدث: الألبــاني والمصـدر: شــرح الطحـــاوية وخلاصــة حكـم المحــدث: صــحيح”.
بعــد التقســـيم وفـق سـايكـس بيــكو تـم أســقاط التـاريخ القـديـم، وحـل بـدلا منــه الـدول القوميــة / القطــرية، وبالتـالي أنهــار مفهــوم الأمــة بكــافة مفاهيمهــــا، وتمــزق التــاريخ والتــراث وفـق القوميـــات. وهكــذا تخاصــمت الـدول مـع التـراث وبالتـالي فقــدت موثوقيــــة التـراث حـد أنعــدام الـوثـوق فيــه، بـل تـم أعتبــار التـراث تخلــف ورجعيـــة. وتـم تبــني منــاهج الحـداثـة التـي تـم تصــديرهـا مـن الغــرب، وهكــذا توقــف التـدفـق التـاريخـي “التفـاعـل الأنســاني فـي جغـرافيـــا مـا” للأمــة العربيـــة، لتســـقط الأمـة فـي التيــارات العلمـانيـة والليبــرالية الحداثيـــة، فتـم أســتيراد النظـم القانونيـــة والسـياســية والأجتمـاعيـة والأقتصــادية وغــيرها. وهــذا تكــرار لمـا حـدث فـي الأندلــس، فتــاريخ الأندلـس صــار مجــرد ذكــريات وبمـرور الـزمـن ســـيفني ويندثـــر.
للأســـف نحــاول توثيـــق التـراث العــربي مـن التـراث الغــربي وليـس العكــس، فيتـم أسـتنســاخ الأفكــار مـن مفكــري وفلاســـفة الغــرب دون الـرجـوع للأفكــار الموثقـــة فـي التــراث العــربي. فيتـم المقــارنة بيـن الشــوري والديمقـراطيـة والأشــتراكيـة والرأســمالية وغــيرهـا، وهـذا هــراء فالأصـــل فـي التـراث العــربي راســـخ وثابـــت، أمـا التظــريات قابلــة الغربيـــة قابلــة للتغـــير مـن آن لآخـــر. ونتيجـــة طـبيعية لذلــك يصـــاب الأفــراد بالأهــانة العقليــــة. والمهــان أمـا أن يتمــرد بشــكل غــير رشـــيد (فوضــوي)، وأمـا أن ينســـاق للأمــر الـواقـع بخضــوع طـوعـي (العبــودية المختــارة). وهـذا هـو الفصــام بيـن الـواقــع والفطــرة الســليمة الكامنـــة فـي التــراث. وهـذا هـو المبتغـــي مـن مؤتمــر كامبـــل بنـرمـان، أنشـــقاق قمـة الهــرم فـي الأمــة “التـي كانــت أنــذاك الدولـة العثمـانيـة”، فتصـــاب القـاعـدة بالشــروخ العميقـــة والجـائـرة، فيتفــكك الهــرم مـع الأحتفـــاظ بهيئتـــه الخارجيـــة فقـــط دون تماســك، ووفــق الحـاجـة وبصــدمـة مفاجئـــة ينهـــار الهـرم بشــكل عــام “أنشـــقاق حقيقــي فـي الـوعـي العـــام”.
المـرحـلة الحاليـــة لا مكـــان فيهــا للضـــعفاء أو المــترددين، مـن لا يمـلك قــرارا ســـياديا شـــاملا محكــوم عليــه بالتلاشـــي، الشـــعارات القديمــة عـن الحيــاد والـوقـوف عـلي مســافة واحــدة مـن الجمــيع باتــت غـير مجــدية، والتمســك بهـا صــار جهـــل بطبيعـــة التـوازنـات الجــديدة.
أكتفــــي بهـــذا القــــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القـــادمة أن شـــاء الله تبــارك وتعــالي.
خـالــد عـبد الصـــمد.
أضف تعليق