مرآة الحرف وطقس الروح:
الأسلوب ليس زينة  لغوية 

ولا أختيارا تقنيا 

بل هو البصمة النفسية التي تفضح الكاتب دون أن يقصد 

هو الطريقة التي يتسلل بها اللاوعي إلى الورق 

هو نفس الروح حين تتكلم دون إذن العقل 

كل كاتب يكتب بأسلوبه 

لكن الحقيقة أن الأسلوب يكتب الكاتب أيضا 

يكشفه 

يعرّيه 

يضعه أمام نفسه كما لم يره من قبل 

الأسلوب الحاد قد لا يكون عنفا لغويا 

بل صرخة داخلية 

والأسلوب الرقيق قد لا يكون ضعفا 

بل تصالحا مع الألم 

والأسلوب المتردد قد لا يكون قلة حيلة 

بل خوفا من أن يقال ما لا يحتمل 

الأسلوب هو تماثل نفسي 

هو إنعكاس لحالة داخلية 

لخوف دفين 

لرغبة مكبوتة 

لحنين لا يقال إلا عبر التراكيب 

لذا فإن تحليل الأسلوب ليس قراءة للنص 

بل قراءة للكاتب نفسه 

حين يكتب الإنسان 

فهو يختار الكلمات كما يختار ملامحه أمام الآخرين 

لكن الأسلوب لا يخضع للتزييف 

فهو يتسرب من بين الحروف 

كالماء من بين الأصابع 

ويقول ما لا يقال صراحة 

الأسلوب لا يدرس 

ولا يكتسب 

ليكتشف 

حين يصغي الكاتب إلى نفسه 

حين يكتب لا ليعجب 

بل ليفهم

حين يترك للقلم حرية أن يفضحه 

أن يكشف ما لم يجرؤ على قوله 

في النهاية 

الأسلوب ليس ما نكتبه 

بل كيف نكون حين نكتب 

هو مرآة النفس 

وصوتها حين تصمت 

وهو الدليل الأصدق على أن الكتابة 

ليست فعلا لغويا 

بل رحلة إلى الداخل 

إلى حيث لا يصل أحد 

إلا من يكتب ليعرف نفسه 

الأسلوب كمرآة للوجدان المتحول:

الأسلوب ليس قالبا ثابتا 

بل كائنا حيا يتنفس من داخل الكاتب 

يتغيّر كما يتغيّر نبض القلب 

يتلوّن كما تتلوّن الروح حين تمرّ بتجربة 

يتأرجح بين البساطة والتعقيد 

بين الجمال والوحشة 

بين الوضوح والغموض 

بحسب ما يعيشه الكاتب في لحظته 

حين يكون الكاتب في حالة صفاء 

تنساب الكلمات كما ينساب الضوء في الفجر 

تأتي الجمل ناعمة 

رقيقة 

كأنها تهمس لا تكتب 

كأنها تخشى أن تجرح البياض 

وحين يضطرب الداخل 

يتكسر الإيقاع 

تتشظى اللغة 

تتداخل الصور 

وتصبح الكتابة كصرخة لا تعرف طريقها 

كأن الحرف نفسه يئن 

كأن المعنى يهرب من بين الأصابع 

الأسلوب في لحظة حزن 

يميل إلى التكرار 

إلى التوقف المفاجئ 

إلى الجمل القصيرة كأنها تنهّدات 

وفي لحظة فرح 

ينفتح على المجاز 

على التمدد 

على الإيقاع الذي يشبه الرقص 

وفي لحظة تأمل 

يصبح الأسلوب متباطئا 

كأنه يمشي على أطراف المعنى 

يتردد 

يتأمل 

يتساءل دون أن يطلب إجابة 

كأن الكاتب لا يكتب ليقال 

بل ليصغي إلى ما يقوله الحرف له 

الأسلوب ليس أختيارا واعيا دائما 

بل هو أستجابة داخلية 

لما يحدث في الأعماق 

هو إنعكاس لحالة وجدانية 

تتسلل إلى اللغة دون إذن 

وتعيد تشكيل النص كما تعيد تشكيل الكاتب نفسه 

لهذا 

حين نقرأ نصا 

نحن لا نقرأ الكلمات فقط 

بل نقرأ الحالة النفسية التي كتب بها 

نقرأ ارتجاف اليد 

وتردد القلب 

ووضوح الرؤية أو ضبابها 

وحين يعود الكاتب إلى نصوصه القديمة 

يكتشف أنه لم يكن يكتب أفكارا 

بل كان يكتب حالاته 

يكتب نفسه كما كانت 

لا كما أراد أن تكون 

الكتابة كطقس شفاء، والأسلوب كمرآة التعافي:

حين يكتب الإنسان من موضع الألم 

يكون الأسلوب مشوشا، متكسّرا 

كأن الحروف تتعثر في الطريق 

لكن حين يبدأ التعافي، يبدأ الأسلوب في الأنسياب 

يتحول من صرخة إلى همس 

من أرتباك إلى وضوح 

من جمل قصيرة متقطعة إلى نسيج لغوي متماسك 

كأن الروح بدأت تستعيد إيقاعها 

الكاتب لا يغيّر أسلوبه عمدا 

بل يتغيّر الأسلوب حين يتغيّر الداخل 

وحين يعي الكاتب هذه العلاقة، يمكنه أن يستخدمها بوعي 

أن يكتب بأسلوب يداوي لا يجلد 

أن يختار الكلمات التي تفتح النوافذ لا التي تغلقها 

أن يكتب لا ليغرق في الحزن، بل ليعبره 

الأسلوب يصبح أداة للشفاء حين يتحرر من الحاجة إلى الإبهار 

حين يتخلى عن التجمل

حين يكتب الكاتب كما هو، لا كما يريد أن يبدو 

حين يكتب ليصغي إلى نفسه، لا ليسمع الآخرين 

في لحظات التعافي، يبدأ الكاتب في أستخدام المجاز لا للهروب، بل للتأويل 

يبدأ في أستخدام التكرار لا للتأكيد على الألم، بل لتثبيت الأمل 

يبدأ في ترك البياض بين السطور، لا كفراغ، بل كمساحة للتنفس 

الكتابة تصبح فعلا علاجيا حين يستخدم الأسلوب كأداة للصدق 

حين يكتب النص ليحتوي الذات، لا ليدينها 

حين يكتب ليقول: أنا هنا، رغم كل شيء، ما زلت أتنفس 

وهنا 

يصبح الأسلوب مرآة للشفاء 

لا لأنه جميل 

بل لأنه صادق 

لا لأنه متقن 

بل لأنه نابع من مكان لم يعد يخاف أن يرى 

توقيع:محمدنورالدين

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ