
جاهلية العصر الحديث ..1
في هذا الزمن الذي ران عليه الغبش، وتوارى فيه النور خلف ستار كثيف من الزيف، لم يعد النجاح دليلاً على التميّز، بل صار شاهداً على الخضوع. أن تُمسك لسانك حين يجب أن تنطق، وأن تُظهر الرضا حين يسكنك الغضب، وأن تساير القافلة ولو كانت تمضي إلى الهاوية، ذلك هو “النجاح” في عرف هذا النظام البائس.
لقد صار الانضباط أداة طيّعة تُقتل بها الأرواح الخلاقة ، ويُسحق بها الخيال تحت سنابك الطاعة العمياء . لا يُختار المرء لأنه يملك جوابًا يُنير ، بل لأنه لا يطرح سؤالًا يُقلق . يُرفع الصوت لمن يُحسن الهمس الخاوي في قالب من الزينة اللفظية ، بينما يُقصى صاحب القول الثقيل ، لأنه يُربك السياق ، ويهز البناء المهترئ .
لقد غلب على الناس سحر البهرجة ، وراجت سلعة التفاهة ، وأُغلقت سوق الفكر . صار المقياس ما يُباع ، لا ما يُثمر . المطلوب أن تكون تابعًا ، لا صاحب تأثير . أن تُشبههم ، لا أن تُنقذهم .
وحين يرفض العاقل هذه المهزلة ، يُوصم : متمردًا ، صعب المراس ، متعالٍ عن الجماعة . لأن النظام لا يحتمل النشاز ، ولا يُطيق الصدق في زمن التزييف .
إنها صورة من صور الجاهلية الحديثة ، تلك التي لا تعبد صنمًا من حجر ، بل تصنع آلهة من الخواء ، وتُقيم لها الطقوس !
عمرو حسن
كاتب مصري
أضف تعليق