
الـــوعـي وعــلامــات الــــزوال (الجــزء الــرابع والأربعـــين):-
هــذا العمـــل يمثـــل تحليــــلًا أســــتقرائيـا, يعتمـــد عـلى المؤشـــرات والســـياقات الســياســية المتـــاحة علنــــا, فـي ظـــل تغييــب المعـــلومـات المباشـــرة أو الرســـمية حــول بعـــض الملفـــات الحســاســة. البعـــض يعتقــــد أن الأســتقراء أو التحليــل المنطقــي للجــاري مـن الأحـــداث بأســـتحضار نظــرية المـؤامــرة. لكـن المعطيـــات المعلنـــة وأن كانـــت غــير واضـــحة (مبهمــــة), لكـــن بالتحليـــل وفـق المنهجيـــة المنطقـــية قــد نحصـــل عـلي دلالات عميقــــة.
هــذا النــص يعتمـــد عـلي التعـــامل مـع الـرمـزيــة والتحليـــل المركـــب, وهــو دعـــوة للتفكـــــر لا للتحــــريض وآثــارة البــلابـل, وللتـــأمـل لا للمـــزايــدة, ولإعـــادة قـــراءة التــاريـخ والفكـــر بمـا يخـــدم يقظـــة الـوعي, لا الأنفعـــال الســـطحي.
عـــندما يغيــب اليقيـــن تفســـد العقــائد وبالتـالي الأخـلاق، النخبـــة لا تـديـر الأرض، النخبـــة لا تـديــر الـدول أو الأمــم، النخبــــة تـدير مـا يتــوائم مـع مصــالحهـا، ومـن هـذا المنطلـــق ينتقـــل هــذا الـوبــاء للأفــراد، وهكــذا يبحــث النـاس عـن مصــالحهم الخاصـــة، فتســـقط الـدولـة وتســقط الأمــة، فالجميـــع يـريد زينـــة الحيــاة الدنيــــا.
عــندمـا تشـــتد الغفـــلة يــزداد الظـــلام، فيذهـــب الأنســـان بكـامـل أرادته مـن الـواقـع “الحقيقـــة وأن كانـــت باهتـــه أو رمـاديـة”، الـي عـالـم مــوازي ليـرضـي أهــوائه وأفكــاره وقنــاعاتـه. الأشـــد غـرابـة أن الرســول صــلي الله عليــه وســـلم حـذرنـا مـن الغفـــلة، وهـي بــؤرة الفتـــن منــذ أكـثر مـن 1400 عـام، ولكننـــا للأســـف أمـا عافليـــن أو جاهلــين أو منكــرين.
الـواقـع الآن مـا هـو الا فتـــن “بَادِرُوا بالأعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا. الــراوي: أبـو هــريــرة والمحــدث: مســلم والمصــدر: صــحيح مســلم وخلاصـة حكــم المحــدث: صــحيح”. كـان مـن حـرص الرســول صــلي الله عليـه وســلم تحـذير وتنبيـــة الأمـة، فـي الـوعـظ والأرشـــاد والتحــذير والتخـويـف، مـن التـراخـي والحـث عـلي الطـاعـات التـي تـرفـع البــلاء.
لكـن أيـن الأمــة؟ تنازعـــت وتصــارعت فصــار بئـس الأمـة بينهـــا، بـدلا مـن أجتمـاعـها وألتفـافهـا حـول بعضــها البعـض لتكـون عصــبة أولـي بـأس شــديد، تـردع الأعــداء بـدلا مـن أن تكــون لقمـة ســائغة فـي فـم الأعـــداء.
يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها . فقال قائلٌ : ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم ، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ . فقال قائلٌ : يا رسولَ اللهِ ! وما الوهْنُ ؟ قال : حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ. الــراوي: ثوبــان مـولى رســول الله صـلى الله عليـه وســلم والمحــدث: الألبــاني والمصــدر: صـحيح أبـي داود وخلاصــة حكـم المحــدث: صــحيح.
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ. ســورة الأنعـام 65.
الخــداع والمكــر هـو لغــة العصـــر، للتلاعــب بالـوعـي والعقـــول وهمـا مصــدر الأدراك والتمييـــز، المـاكـر والمخـادع دائمـا وأبـدا يســعي الـي الفســاد والأفســـاد ” قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا 103 الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. ســورة الكهـف”، لـذا الحـرص كـل الحـرص مـن المـاكـر والمخــادع ” وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ. ســورة أبراهـيم 46″، المخــادع والمـاكـر منــافق يجيــد الحديــث والجـدال “الدبلوماســية” وهـو ألــد الخصـــام. “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. ســورة النسـاء 142 – وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَـٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ ﴿٢٠٤﴾ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلفَسَادَ ﴿٢٠٥﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ. ســورة البقــرة”.
بتـــدبر وتـأمـل هـذه الآيـــات الكريمــــة:
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين. ســورة القـصص 4.
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ 38 وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ. ســورة القـصص.
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ. ســورة الـزخـرف 54.
مـن هـو فـرعـون هــذا العصـــر؟ مـن أســتخف قـومـه ووعـدهـم زينـة الحيـاة الدنيــا والقـوة والهيمنــة فأطـاعـوه؟ مـن أســتكبر وأســتعلي عـلي الجميــع لينصــب نفســه نبيـــا أو إلـة يفعــل مـا يشـاء دون رادع؟ مـن أســتكبر هـو وجنــوده بغــير الحــق وغـرتهـم الحيــاة الدنيـــا وغـرهم بالله الغــرور؟ الأجـابـة واحــدة وهـو المطــور العقـــاري.
هــل أصــيب الفكــر العــربي بالســـبات لأنتكاســــة داخليـــة، حـتي صـــار الغــرب المرجعيـــة الوحيــدة ومصــدر القــوة الأوحــد والمـوثـوق؟.
أليـس هـذا هـو الوقــت الـذي نعـــود فيـه الـي الـوعـي والرشـــاد، ونتقــي الله تبــارك وتعــالي حـق تقـــاته.
أوامــر الله ســبحانه وتعــالي واضــحة لا تحتــاج الـي تفســـير أو تـأويـل أو فتـــاوي.
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ. ســورة فـاطـر 6.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. ســورة البقــرة 168.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. ســورة البقــرة 208.
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. ســورة البقــرة 268.
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. ســورة يـس 60.
وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. ســورة الـزخـرف 62.
الســبات مـوت لكنــه مـوت بمهـــانة وأخضــاع وأذلال، فليـس هـناك مـا يســمي أقــرار أو أحــلال للســلام عـبر القــوة. الســلام هـو الحـق والعــدل، أنمـا القــوة للأخضــاع والأذلال. قـد يكــون أدعــاء الخــوف نـوع مـن أنـواع التضــليل، لأمعــان المكــر بالغــير لســحقه حـد الأبــادة. الفـارق كـبير بيـن التفــاوض “الـرآي والـرآي الآخــر” والأسـتسـلام “القبــول والأذعـان لمـا يمــلا”. الكـذب يحتــاج الـي التكــرار ليكــون الحقيقــــة الدامغـــة لأزهــاق الحــق.
مشــروع الشــيطان واضـــح لا يحتـــاج هـو الآخـــر الـي تفســـير أو تـأويــل أو فتـــاوي.
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 82 إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. ســورة ص.
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا. ســورة النسـاء 119.
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. ســورة الأسـراء 64.
كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. ســورة الحشـــر 16.
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. ســورة أبراهـيم 22.
العـلم هـو ســـر التقــدم، وهـو مفتــاح يقظــــة الـوعـي، والجهـــل والفقـــر هـم ألـد الأعــداء وأنيــاب الشــيطان. التـاريخ بمـا فيـــه مـن أحـداث تاريخيـــة، والرســـالات الســماوية الغيــر محــرفه، والتحليـــل المنطقـــي والعقــلاني المحــايد، قـد يكــون فيهــم قــراءة للجـــاري والقـــادم، مـع مـراعـاة مـا جــاء فـي حديــث الرســول الكـريم صـلي الله عليـه وســلم ” فَقامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في النَّاسِ فأثْنَى علَى اللهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فقالَ: إنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، ما مِن نَبِيٍّ إلَّا وقدْ أنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لقَدْ أنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، ولَكِنْ أقُولُ لَكُمْ فيه قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعَلَّمُوا أنَّه أعْوَرُ، وأنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالَى ليسَ بأَعْوَرَ. الــراوي: عبـد الله بـن عمــر والمحــدث: مســلم والمصــدر: صــحيح مســلم وخلاصـة حكـم المحــدث: صــحيح.
أســـئل الله تبـــارك وتعـــالي الســلامة للجميـــع فالجــاري عـلي أرض الواقـــع فتنـــــة كــبري.
أكتفــــي بهـــذا القــــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القـــادمة أن شـــاء الله تبــارك وتعــالي.
خـالــد عـبد الصـــمد.
أضف تعليق