
الـــوعـي وعــلامــات الــــزوال (الجــزء الســادس والأربعـــين):-
هــذا العمـــل يمثـــل تحليــــلًا أســــتقرائيـا, يعتمـــد عـلى المؤشـــرات والســـياقات الســياســية المتـــاحة علنــــا, فـي ظـــل تغييــب المعـــلومـات المباشـــرة أو الرســـمية حــول بعـــض الملفـــات الحســاســة. البعـــض يعتقــــد أن الأســتقراء أو التحليــل المنطقــي للجــاري مـن الأحـــداث بأســـتحضار نظــرية المـؤامــرة. لكـن المعطيـــات المعلنـــة وأن كانـــت غــير واضـــحة (مبهمــــة), لكـــن بالتحليـــل وفـق المنهجيـــة المنطقـــية قــد نحصـــل عـلي دلالات عميقــــة.
هــذا النــص يعتمـــد عـلي التعـــامل مـع الـرمـزيــة والتحليـــل المركـــب, وهــو دعـــوة للتفكـــــر لا للتحــــريض وآثــارة البــلابـل, وللتـــأمـل لا للمـــزايــدة, ولإعـــادة قـــراءة التــاريـخ والفكـــر بمـا يخـــدم يقظـــة الـوعي, لا الأنفعـــال الســـطحي.
التــاريخ دوارة الأحــداث، فأحــداث الأمـس التاريخيـــة كانـــت بــذور الحاضـــر والمســتقبل، التــاريخ يتكـــرر لكـن بجغـرافيــا جـديـدة وبـواقـع زمـني مختلــــف “وفــق نظــرية الـزمـن الخطيـــة ماضـي/حاضــر/مســـتقبل”.
قـال الرســول محمـد صــلي الله عليـه وســلم، “لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذّابُونَ قَرِيبٌ مِن ثَلاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أنَّه رَسولُ اللَّهِ. وفي رواية: يَنْبَعِثَ. الـراوي: أبـو هـريــرة والمحــدث: مســلم والمصــدر: صـحيح مســلم وخلاصــة حكـــم المحـــدث: صــحيح”.
الـدجـال مـا هــو الا مخــادع وكـاذب ومنــافق، أســتولي عليــه الشـــر (الشـــيطان)، ليســـعي الـي غــايـات يبـــرر لهــا كـل الوســائل. الـدجـال يصــنع القوانيـــن للغـــير، ثـم يلتــف عليهـــا فهــو فـوق القوانيـــن والأعــراف والعــادات والتقاليـــد وصــولا الـي المنهــج والتكليـــف (أدعــاء الألوهيـــة). والـدجـال ليــس بظــاهـرة، فلكـــل مجتمـــع دجــاله ولكـــل أمـة دجالهــــا. الـدجـاجلــة أوليــاء الشـــر، يخــدم بعضــهم بعضـــا عـلي مـدار الـزمـان، أفعــالهـم ليســـت مصــادفة، بـل هـي مكمــلة لبعضهــا البعــض، وكــل دجـال يؤســس لمـن يــآتـي بعــده، بعضــهم أوليــاء بعـــض “وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. ســورة الأنعــام”.
الـدجـال ليـس بالضــرورة أن يكــون شـــخصا بعينـــه، بـل قـد يكــون نظــام مـا يســـعي للســيطرة والهيمنـــة والأســتحواذ، ومـا قـد يســمي بلغـــة العصـــر الـدولـة العميقــــة. فليــس بالضـــرورة أن يكــون الحكــام الظـاهـرين هـم مـا يســمي بـرأس النظـــام، بـل هـم أشـــخاص ظـاهـرين كـأدوات أو بيـــادق بيــد النظـــام. مـا يــدور فـي الغـــرف المغلقــــة “المظلمـــة” هـو الغــايـات، ولكــي تخــرج التصــريحات المضــللة مـن الغــرف المظلمـــة، لأبــد مـن وجــود ناشـــر لهـذه التصــريحات، وفـي الغالـــب هـذا الفــرد هـو مـن يطــلق عليـــه لقـــب الحـاكـم.
حديــث الرســول صــلي الله عليــه وســـلم قـد يصـــف ذلــك مـن التــدبر والتـأمـل لمحــاولة التــأويــل “تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ. ثم سكت…
الــراوي: النعمــان بـن بشـــير والمحــدث: الألبـاني والمصــدر: هــداية الـرواة وخلاصـة حكـم المحــدث: إسـناده حسـن.
المـلـك العــاض هـو بــذور الـدولـة العميقـــة، والحكــم الجــبري هـو حصـــاد هـذه البـــذور.
والـدولـة العميقـــة تتمثـــل فـي النخبـــة والمترفـــين ومـا يتـم تســـميتهم عليـــة القــوم “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا. ســورة الأســراء”.
المعــاني الكامنـــة فـي الأحاديـــث والآيـــات لأبـــد مـن تـداركهـا عـبر التـأمـل والتـدبر بعيــدا عـن المعــاني أو التـأويـل الحــرفي، فالله تبــارك وتعــالي مـا فـرط فـي الكتــاب مـن شــئ. الـدولـة العميقـــة هـي المؤلـــف وكاتــب الســيناريو والمصــور والمخــرج للأحــداث، وتختـــار مـن يــؤدي الأدوار بمنتهـــي الـدقة ، أمـا الأنتـــاج فهــو مـن أمــوال الغـــير.
الـدولـة العميقـــة هـي مـن يبتــدع المصـــطلحات والمســـميات، ومنهــا مصــطلح الســياســة “التدبيــر والحكمـة فـي التصــرف” ومـن المفــترض أنهـا وضــع معاييــر وقـواعـد متفــق عليهـــا للحيــولة دون النـزاع والصــراع ودون اللجــوء للعــنف، وهــذا ليــس بجــديد عـلي قـواعـد المنهــج والتكليـــف، فهــذا راســـخ فـي ســـنن الله تبــارك وتعــالي فـي خلقـــه، ويتضـــح هــذا بجــلاء فـي قــول الله ســبحانه وتعــالي:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. ســورة البقــرة 208.
وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) ۞ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. ســورة الأنفــال.
ولكـي تحــقق الـدولـة العميقــة أغراضـــها “غـايـاتهـا”، لأبــد مـن النــزاع فيمـا يســمي بالطائفيـــة والمذهبيـــة والعرقيـــة والقوميـــة وغــيرها، ومـن يـدعـم الطائفيـــة مـا هـو الا طائفــي ومتشـــدد حـد التطــرف، ومـن يـدعـم القوميــة بمزاعـم الوطنيـــة “القوميــة هـي الحـدود التـي تـم ترســـيمها فصــارات مقدســـة” هـو متشـــدد وخـارج عـن ركــاب مفهــوم الأمـة. المســلمين أخــوة مهمــا أختلفــــت مذاهبهــم وطوائفهــم، وهــذا أمـر الله تبــارك وتعــالي ووصيـــة الرســول صــلي الله عليــه وســلم.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. ســورة الحجــرات.
مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ له به طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وَما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ؛ إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ، وَمَن بَطَّأَ به عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ.
الــراوي: أبـو هـريــرة والمحــدث: مســلم والمصــدر: صـحيح مســلم وخلاصــة حكـم المحــدث: صــحيح.
إنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا. وشَبَّكَ أصَابِعَهُ.
الــراوي: أبـو موســى الأشــعري والمحــدث: البخــاري والمصــدر: صـحيح البخــاري وخلاصـة حكــم المحــدث: صــحيح.
وأخــيرا مـدعـي النبــوة فـي أرجــاء العـالـم كــثيرون، ومنهــم المـوثـق تاريخيـــا ومنهــم مـا دون ذلــك، والأمثــلة فــي “مســيلمة الكــذاب – ســجاح بنــت الحـارث التميميــــة – أســود العنســـي – طلحــة بـن خـويـلد – صـــف بـن الصـــياد “البعـض وصــفه بالدجــال” – عيســي بـن هــارون الأصـــفهاني – ســـبيطائي زفــي “زعـم أنـه المســـيا المنتظـــر” – ديفـــيد ألـــروي “منـاحيـم بـن ســـليمان وقـد أدعـي النبــوة والمســـيحوية” – أبـراهـام أبولعـافيــــا – ســـولومـون مولخــــا وغــيرهـم. هـــؤلاء جميعــــا هـم وكــلاء أو دمــي الـدولـة العميقــــة “حكــومة الشـــيطان”.
أســـئل الله تبـــارك وتعـــالي الســلامة للجميـــع فالجــاري عـلي أرض الواقـــع فتنـــــة كــبري.
أكتفــــي بهـــذا القــــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القـــادمة أن شـــاء الله تبــارك وتعــالي.
خـالــد عـبد الصـــمد.
أضف تعليق