الــوعـي والأشـــراط.
فـي هـذه الأيـــام ينتشــــر التصــريحات عـن نهــاية الـزمـان، والمعظــم يتنــاول الموضــوع مـن واقـع مـا جـاء فـي النبــؤات عـن نهــاية الـزمـان، فـي التـوراة والأنجيـــل والقــرآن. ممـا لا شـــك فيـه أن العـلوم هـي مفـاتيح المعــرفة، العـلوم المنقوصـــة مـن المـؤكـد أنهـا تـؤدي الـي نتــائج منقـوصة أو مشـــوهة. كمـا أن العـلوم منهــا المـادي ومنهـا الشــرعي ومنهـا الفلســفي ومـع غيــاب اليقيــن بالغــيب “الأيمــان بالله تبــارك وتعـالي”، ســـتكون البوتقـــة التـي تحتــوي هـذه العـلوم غـير مناســبة، فيكــون الشــكل النهــائي غــير حقيقـــي ومجــرد توقعـــات غـير محــددة الـزمـان والمكــان.
فـدون ربــط هـذه الأحاديـــث والنبـــؤات بحيـــادية، تخاطــب لغـــة العقـــل والمنطــق مـع الأحتــفاط مســـبقا بالأيمــان، فالغــيب لله وحـدة لا شــريك له، ويتلخـص اليقـــين فـي الأيمــان بالله وملائكتـــه وكتبـــه ورســـله واليـوم الآخـــر، وهــذا هــو بــؤرة الأيمــان فـي كـافـة العقــائد والمــلل، ونبـــؤات نهــاية الـزمـان “دون المحــرف منهـــا”، هـي وحـي مـن الله ســبحانه وتعــالي لرســله وأنبيــاؤة، لحــث الخاصــة والعـامـة عـلي عـدم الـوقـوع فـي الفتـــن، المـؤدية الـي الأقتــراب مـن النهــاية. الفــارق كــبير بيـن التقــرب مـن الله تبــارك وتعــالي وهـو أمـر شــخصي، أمـا الأقــتراب هـو أمـر جمعـــي يســاق أليـه الأمــم الـي حـدث مـا أو أمــر مــا.
السـياســة منــاطق رمــادية وقـد تصـــل الـي فتـــن كقطــع الليـــل المـظــلم، أمـا الأيمــان فهــو نــور يتضـــح فيـه الأبيـــض مـن الأســود دون لبــس. لــذا المطــروح عـلي الســاحة مما يســمي أدب الأبوكالبيــس، مـا هـو الا مجــرد رؤيــة أو رمـزية، لأســتعراض النهــاية مـن واقـع خيــال المؤلــف، قـد يرتبــط بالنصــوص المقدســـة، لكــن يتـم التفســير والتـأويـل مـن وجهـــة نظـــر المؤلـــف أو الباحــث. أدب الأبوكالبيــس ليـس ظـاهـرة حديثـــة، بـل لـه جـذورة التاريخيـــة، ويتطــور بتطــور الأســاطير والعـلوم والتكنـولوجيـا والتقنيــــات. وقـد يســـتخدم هـذا الأدب الآن لآثــارة القــلق الجمــاعي، فهــو أمـا دعــوة للأسـتسـلام أو دعــوة للفوضــي، وهكــذا يتـم أبتــداع مســاحات تخريبيــــة عالميـــة، ولمحــاولة الأقنــاع بمســاحة آخــري لعـوالـم بـديـلة، وهـي فـي الحقيقـــة ليســـت متــاحة. وهـذا يعنـي أيقــاع الفـــتن، فيفتتــــن العـامـة بالمـوجـودات عـلي حســاب الغيبيـــات، وبالفعـــل هـذه هـي الخطــوات الأولــي “أشـــراط” النهــاية.
الخـلط بيــن نبـــؤات النهــاية وأدب الأبوكالبيــس بالسـياســة أمـر بـالـغ الخطـــورة. فهــذا الخـلط فســـاد وأفســاد وضــلال وتضـــليل. فكــثير مـن الســرديات التاريخيـــة لا تعكـس التـاريخ، بـل تعكـس التــاريخ مـن وجهـــة نظـــر المــؤرخ، ســواء مـؤيـد أم معــارض. مـا جـاء عـن الرســل والأنبيــاء للتحــذير والتنبيـــة والنصــيحة، لأصــلاح المجتمــع والأبتعـــاد عـن الفتـــن، وهـذا أمــر لـه القدســـية. أمـا تحــويل الـدين الـي برنـامج ســياسـي هـو الفتنـــة الكــبري، والعبــث بالـوعـي العــام. وعـلي ســبيل المثــال أتفــاقية أبـراهـام الأولــي، ثـم درع (تحـالــف) أبـراهـام الثــاني، همـا حـلول سـياســية لكـن أســـتمدت التســمية مـن جــذور دينيــــة. أبنــاء نـبي الله أبراهــيم عليــه الســلام وهمـا أســماعيل وأســحاق عليهمــا الســلام. غالبــــا أســـقط التلمـــود نبي الله أســماعيل عليـه السـلام من المصـفوفة لشــكل تـام، ليكــون هنــاك فتنـــة تـــؤدي الـي النهـــاية، بيــن أبنــاء النـــور “ذريــة أســحاق” وأبنــاء الظــلام “ذريــة أسـماعيـل”. ونهــاية أســماعيل حتميــة آخــر الـزمـان.
فكــيف تـولـد وتتغــذي السـياســة عـلي مـا يــؤدي الـي الفــتن، وعــدم أقـــرار الســلام القــائم عـلي العـــدل؟.
وهـل المواجهــــة العســـكرية بيـــن أيــران والـدولـة الملفقـــة عـلي ســبيل المثــال، ليســـت نـزاع ســياسـي بـل خطــة دينيــة لتحــقيق مـا ورد فـي ســـفر حزقيـــال؟ وهــل الحــروب صــارت لتحقيـــق نبـــؤات تحــت غطــاء ســياســي بغــض النظـــر عـن جـوهـر أو رمــزية الحقيقـــة أو النبـــؤة؟ وأيـن المجتمـــع الـدولـي بقوانينــــه مـن ذلـــك؟.
تنــاول الكــتب أو الرســالات الســماوية عـلي أنهــا كتــابات أرضـــية للدراســــة، دون مـراعـاة لمـا فيهــا مـن غيبيـــات ورمـزية هـو بــؤرة الفتنــــة، قـد يكــون هــذا جـائـز مـع الملحــدين المتمســكين بالمــادة، أمـا مـن أمـن بالله تبــارك وتعــالي فهــذا العـمل هـو تطــاول عـلي الله ســبحانه وتعـالي. الأصـــل فـي الرســالات الســـماوية الأيمــان بالله تبــارك وتعــالي، أمـا الأختـــلاف هـو أبتغـــاء الفتـــن وأبتــداعها والحــض عـلي أفتعــالها عـلي أرض الـواقـع، وفـي الفتـــن لا يــأمن أحـد عـلي نفســـه، فـي الفــتن يختلـــط الحــق بالبـاطـل، الفــتن خطــرها عظــيم والتهلكــة فيهــا مـؤكـدة.
لــذا الأعــداد لتجنــب الفــتن واجـــب، وذلـك بالقـــوة لا للأعتـــداء ولكــن للـردع والـدفـاع عـن النفــس.
يقظـــة الــوعـي هـي مفـاتيح المعــرفة والتـدبر والتــامـل لأســـتقراء المتــوقع بنـاء عـلي فطــرة العقــل والمنطــق الســليمة.
وأخــيرا أعــتبر هــذا النــص بمثـــابة نـاقـوس أنــذار فكـــري وأيمـــاني، ويجــب أدراك الفــروق الجـوهـرية بيــن الـديـن بمـا فيـه مـن غيبيـــات أمـرهـا بيــد الله ســبحانه وتعـالي، والســياســة ومـا هـي الا أفكــار تصــاغ لهـا القوانيــن لأدارة المـاديـات، والعقـــل وهـو الأمـانـة التـي تكــرم بهــا الأنســان عـلي غــيره مـن المخـلوقـات. لــذا أختيــار الموقــع مـن الصــراع “الفتـــن” بيـن الحقيقــة والتضــليل هـو مفــتاح الأبـواب للغــلق عـلي الفــتن، حــتي لا نكـــون ضــحايا لفتـــن مبنيـــة عـلى تــأويـل خــاطـئ، أو توظــيف خــبيث، لـرمـوز الـــديـن والنــــهايـة.
أكتفــي بهــذا القــدر، وأســئل الله تبــارك وتعــالي الســلامة للجميـــع.
خـالــد عـبد الصــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ