الـــوعـي وعــلامــات الــــزوال (الجــزء الـواحـد والخمســـين):-
هــذا العمـــل يمثـــل تحليــــلًا أســــتقرائيـا, يعتمـــد عـلى المؤشـــرات والســـياقات الســياســية المتـــاحة علنــــا, فـي ظـــل تغييــب المعـــلومـات المباشـــرة أو الرســـمية حــول بعـــض الملفـــات الحســاســة. البعـــض يعتقــــد أن الأســتقراء أو التحليــل المنطقــي للجــاري مـن الأحـــداث بأســـتحضار نظــرية المـؤامــرة. لكـن المعطيـــات المعلنـــة وأن كانـــت غــير واضـــحة (مبهمــــة), لكـــن بالتحليـــل وفـق المنهجيـــة المنطقـــية قــد نحصـــل عـلي دلالات عميقــــة.
هــذا النــص يعتمـــد عـلي التعـــامل مـع الـرمـزيــة والتحليـــل المركـــب, وهــو دعـــوة للتفكـــــر لا للتحــــريض وآثــارة البــلابـل, وللتـــأمـل لا للمـــزايــدة, ولإعـــادة قـــراءة التــاريـخ والفكـــر بمـا يخـــدم يقظـــة الـوعي, لا الأنفعـــال الســـطحي.
أســـتكمالا لمـا جـاء فـي الجــزء الســابق عـن أخــتراق الـدولـة العميقـــة الغربيـــة لأيــران أســتخباراتيا، كـان لأبـد مـن الأضـرار بهـا أقتصـــاديا.
بــدأ فــرض العقــوبات الأقتصــادية عـلي أيــران بشــكل تدريجــي منــذ الثـورة الأســلامية ســنة 1979م، ثـم تصــاعدت بشــكل كــبير وبنيــوي، وفـق أســباب معلنــة مختلفــــة، لكــن الأســباب الحقيقيـــة فـي أدراج ودهاليـــز الـدولـة الغربيـــة العميقـــة.
والبـداية “المرحـلة الأولــي” فـي نوفمــبر 1979م، والسـبب المعــلن أحتجــاز الـرهـائن فـي ســفارة ذات العمـاد بطهــران “مـع أن ورقـة الـرهائن كـان لهـا أســتخدامات آخــري”، وكانــت الأجــراءات تجمــيد 12 مليــار دولار مـن الأصــول الأيرانيـــة فـي بنــوك ذات العمــاد، وفـرض حظــر عـلي صـــادرات وأســتيراد المنتجــات الأيرانيـــة وعـلي رأســـها النفــط.
أمـا المـرحـلة الثانيـــة كانــت فـي 1984/1995م، والســبب المعــلن دعـم أيــران للأرهـاب الـدولـي “تفجــيرات بيــروت والتـي أســتهدفت مشــاة البحــرية لـذات العمــاد ســنة 1983م”. وفـي 1995م فـرض حظــرا شــاملا عـلي تجــارة ذات العمــاد مـع أيــران.
وتـم أدراج أيـران عـلي قائمــة الـدول الراعيـــة للأرهــاب.
منطقـــة هـلال شــرق المتوســط، منطقــة لهـا أهميــة خاصــة عـبر التـاريخ ســواء القـديم أو الحديـــث، وهنــاك العـديد مـن الأســباب المعلنــة لأقـامـة قـاعـدة لمشــاة البحــرية فـي لبنــان ومنهــــا.
– الـردع وأحتــواء النفــوذ الأيـراني وحلفــاؤه، ودعـم حلفــاء ذات العمــاد فـي المنطقـــة، ومنهــم الجيـش اللبنــاني “لأيجـاد تـوازن مقـابـل قـوة حــزب الله”.
– تعــزيز الأســتقرار الأقليمــي، المسـاعدة فـي تحقــيق الأســتقرار لبلــد يعـاني مـن أزمـات، سـياسـية وأقتصــادية عمليــة. ودعـم عمليــات مكافحــة الأرهـارب ومراقبـــة الحــدود، فـي ظــل وجـود تهــديدات مـن خلايــا متطــرفة.
– المـوقـع الجغــرافي الأســتراتيجي للبنــان، يحـدهـا مـن الشــمال ســوريا وهـي منطقــة نفــوذ روســية أيرانيـــة، والـدولـة الملفقـــة جنــوبا وهـي حليــف أســتراتيجي لـذات العمــاد، القـرب مـن قــبرص وهـي مـركـز مهــم للعمليــات الغربيـــة، وأقـامـة هـذه القــاعدة ســيعزز قـدرة ذات العمــاد عـلي مراقبـــة التحــركات العســكرية والبحــرية فـي شــرق المتوســـط.
– دعـم الجيـش اللبنــاني مـن خـلال التدريــب والتســليح لمواجهــة ما أســموه القـوي غـير الرســمية.
– منافســـة النفـوذ الروســي، قـاعـدة لـذات العمــاد فـي لبنــان تعــتبر مـوازنـة للنفــوذ الروسـي فـي قـاعـدة طـرطـوس الروســية.
فهــل تـم تجـاهـل أن أقـامـة قـاعدة لـذات العمـاد فـي لبنــان ســيواجه أعـتراضات داخليــة كـبيرة وخاصـة مـن حـزب الله وحلفــاؤة؟.
وهــل تـم تجـاهـل الحسـاسـيات الدينيـــة والطائفيـــة والسـياسـية المعقــدة فـي لبنــان والتـي تجعــل وجـود مكــون عســكري أجنـبي مثـير للجـدل وأمـر بـالـغ الخطــورة؟.
الأسـاس المنطقــي للتحليــل فـي ســياق الجغرافيــا السـياسـية، يجــب الـربط بيـن أقـامـة قـواعـد لـذات العمـاد “تـزايد الـوجـود العســكري” فـي منطقــة مثــل لبنــان، ســيؤدي بكـل تأكيــد الـي النـوايـا فـي أعـادة ترســيم الشــرق الأوســـط “رئيـس وزراء الـدولـة الملفقـــة يتشــدق بهـا فـي كـل المحـافـل الدوليــة وعـلي كـافة وســائل الأعـلام وهـو مـا يعــتبر تمهيــد لـواقـع مســتقبلي”. وقـد يتضــح ذلـك بعــد تفكــك دول مـركـزية كالعــراق وســوريا. أعـادة الترســيم مشــروع يخــدم مصــالح الأمـن القـومي لـذات العمــاد، وأمـن الـدولـة الملفقــــة “الـولايـة رقـم 51″، وأحتــواء النفــوذ الأيـراني والروســي والصـيني. والأدوات ســتكون الأسـس الطائفيـــة “ســنة – شــيعة – أكـراد – علـويون – مـوارنه – دروز ……..”.
لبنــان دولـة متعــددة الطوائــف، وهـي بيئـــة خصــبة مـن وجهــة نظــر بعـض المخططــين الغربييــن، لتكــون نمـوذجا أو ســاحة أختبــار لآي مشــروع تقســيم نـاعـم أو خشـــن، ويـتم الـدفـع بســوريا هـي الآخــري فـي هـذا الأتجــاة “روســيا مقســمة بشــكل غـير رســمي أو معلــن مـا بيــن نفــوذ أيـراني – روســي – ذات العمــاد – تـركي – كــردي – الـدولة الملفقـــة بخـلاف الطائفيـــة”.
وجـود ذات العمـاد العســكري أداة فـي أدارة هـذا التفكــك، أو تشــكيله بطريقــــة تخــدم مصــالحها بشــكل مطــلق بمبـــدأ التضــحية مقـابل الغــاية. ولهــذا أنتشــار حـامـلات الطـائرات والمـدمـرات والغواصــات فـي منطقــة الشــرق الأوســـط، لحمــاية المصــالح أولا ومـن ثـم دعـم الـدولـة الملفقــــة وهـي جـزء أصــيل مـن المصــالح، بخــلاف حمــاية الممــرات المائيـــة. رغــم غيــاب القــرارات والتصــريحات الرســمية، الا أن الأوضــاع الحاليـــة مؤشـــر لأعـادة الترســـيم (مـا معـني أســتمرار الـدولـة الملفقـــة فـي أحتــلال “التـواجـد” فـي خمســـة تـلال أســتراتيجية داخــل لبنــان بموافقـــة أو غطـاء مـن ذات العمــاد وهـو فـي الظــاهر غـير معــلن؟.
وبالعــودة الـي العقــوبات الأقتصـــادية عـلي أيــران، المـرحـلة الثالثــــة “2006/2015م” وهـي كانــت بداية الأنطــلاق للعقــوبات الدوليـــة، والســبب المعــلن لتوقيــع العقــوبات بـرنـامج أيــران النــووي، وعـدم التعــاون مـع الـوكـالـة الدوليــة للطـاقة الـذريـة، والبـداية بفــرض عقــوبات رســمية ســنة 2006م، مـن الأمم المتحــدة عــبر مجلـس الأمــن (قــرارات 1696 – 1737 – 1929 عـلي ســبيل المثــال). ذات العمـاد والأتحـاد الأوروبـي فرضــوا عقـوبات “تجمـيد الأصــول – حظــر التعـامـل مـع البنـوك الأيرانيـــة – حظــر شــراء النفــط والغــاز الأيـراني – تقييــد التبــادل التكنـولوجي). وهنـــا ســـؤال مثــير للجــدل، المجتمــع الـدولي يخشـي مـن أمتــلاك الســلاح النـووي وعـلي الـرغـم مـن ذلــك، الـوكـالة الدوليـــة كانــت تشــرف عـلي مســتوي تخصــيب 20%، وهـو ما يمثــل 90% مـن الأعمـال التقنيـــة للحصـــول عـلي اليورانيــوم عـالي التخصــيب. والتخصــيب مـن 60% الـي 90% لا يمثــل ســوي 5% الـي 10% مـن الجهـد التقنــي، ومـا هـو الا أيــام معــدودات. فلمــاذا المجتمــع الـدولـي يـدفع أيــران بشــكل مســتفز وغـير مباشـــر لأمتــلاك السـلاح النـووي كســلاح ردع؟.
المرحـلة الرابعــة مـن العقــوبات (2018م حـتي الآن)، وهـي بعـد أنســحاب المطــور العقــاري مـن الأتفــاق النــووي، والســبب المعــلن للعقــوبات ما وصــف بنقــاط الضــعف فـي الأتفــاق النــووي، ومـزاعـم أن أيــران تشــكل زعـزعـة وعـدم أســتقرار للمنطقـــة، ودعـم أيــران لمـا ســمي بالميليشــيات المســلحة فـي العــديد مـن الأقطــار. وكانـــت الأجــراءات حظـــر شــامل عـلي جميـع صـــادرات النفــط والغــاز الأيرانيـــة، وتصــنيف الحـرس الثــوري الأيــراني كمنظمــة أرهابيـــة، عقــوبات علـي الـدول والشــركات التـي تتعــامل مـع أيــران، هـذا بخــلاف أســـتخدام أنتهــاكات حقــوق الأنســان “قمــع المعارضــين والصــحفيين والتمــييز بيـن الأقليــات”.
فـي 2015م بعـد توقيـــع الأتفــاق النــووي JCPOA، رفعـــت معظـم العقــوبات، وفـي 2018م أعــاد المطــور العقــاري فرضــها بعـد الأنســحاب مـن الأتفــاق.
الغريـب والمثــير للجـدل والريبــــة، أنـه بعــد مـا تـم توقيــع أتفاقيـــة الجــزائر “وسـاطة جزائـرية”، بيـن أيـران وذات العمـاد والتـي بنــودها نصـــت عـلي، ألتــزام ذات بالأفـراج عـن الأصــول الأيرانيــة المجمـدة، ووقــف جميــع الدعـاوي القانونيـــة ضــد فـي محـاكـم ذات العمــاد، بينمــا ألتزمــت أيــران بأطــلاق ســراح الـرهـائن فــورا، وعـدم ملاحقـــة ذات العمــاد قانونيـــا. الا أن ذات العمـاد ماطلـــت فـي الأفــراج عـن الأصــول المجمــدة، بـل وطـورت ما يسـمي بالعقــوبات الذكيـــة تدريجيــا لأســتهداف قطـاعـات وأشــخاص. وتـم تصــنيف أيــران فيمـا بعــد كـدولـة راعيــة للأرهــاب، وكانـــت التبعــات التلقــائية وهـي حظــر المســاعدات – حظـــر تصــدير الأســلحة – قيــود ماليــة وتجـارية. والخلاصـــة أن عقــوبات المرحـلة الأولـي لـم تكــن مرتبــطة فقــط بأزمـة الرهــائن، بـل تحولــت الـي أداة (ســلاح) أســتراتيجية للــردع، والضــغط عـلي نظــام أيديـولـوجـي معــادي للغـــرب. وأعتقــد أن أيـران أســتخدمت الأمـوال المجمــدة كـورقـة مســاومة وجـزء مـن تفاهمــات مشــروطة دبلوماســيا وقـد تكـون غـير معلنــــة ســواء مـن الغـرب أو أيــران.
وجميــع المؤشــرات تـؤكـد أن أيـران يتـم أســتخدامها كأداة لضـبط التـوازن الأقليمــي، وضــمان لتجــارة الأســلحة الرائجــة مـع الـدولـة العميقـــة الغربيـــة، ولضــمان عـدم أجتمــاع الأمـة العربيـــة مـن جـديد “كمـا فعــل محمـد عـلي باشــا & العثمـانيين مـن قبــل”، بأســتخدام الطائفيــة والعرقيـة والقوميــة (ســنة – شــيعة – أكـراد – دروز – أقليـات مســيحية وغــيرها). ومـع التغــييرات العالميــة وصــعود روســيا والصــين “أقطــاب الحـرب البــاردة”، لـم تعــد أيــران مجــرد أداة ضــغط، بـل لاعـــب مســتقل يجــري تحالفــات مضـــادة لمصــالح الـدولـة الغربيـــة العميقـــة. أيــران تحولـــت الي جســر جيوسـياســي للصــين، بخــلاف دورهـا فـي تـزويد روســيا فـي حـربها ضــد أوكرانيــــا “الكتـلة الغربيـــة”.
لـذا الغــرب يـدفـع لأســتخدام كازاخســتان وأذربيجـــان لحصــار أيــران “تضــييق الخنــاق الأقتصــادي، وتهميـش دورهــا كممــر رئيســي للطـاقة”، وهــذا التضــييق هـو أداة ضــغط عـلي الصــين وروســيا بشــكل غـير مباشـــر.
هــذا بخــلاف التحالــف التـركي الأذربيجــاني، والشــراكة عـبر تحالــف عســـكري – ثقــافي – جيوســياســي “يعــرف بأســم الطورانيـــة الجـديدة”، بخــلاف أتفاقيــــة شــوشــا الأمنيــــة 2021م والتـي تـربط بينهمـــا عســـكريا، وتركيـــا تبنــي قـواعـد عســكرية فـي أذربيجــان. وفـي الغالــب دعمــت أذربيجــان الـدولـة الملفقـــة بشــكل غـير معــلن، وســتتضح الحقــائق عـاجـلا أم أجــلا. فأيـران تتهــم أذربيجــان بأنهــا بـوابة الـدولـة الملفقـــة “عـلاقـات أمنيــة وعســكرية”.
أســـئل الله تبـــارك وتعـــالي الســلامة للجميـــع فالجــاري عـلي أرض الواقـــع فتنـــــة كــبري.
أكتفــــي بهـــذا القــــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القـــادمة أن شـــاء الله تبــارك وتعــالي.
خـالــد عـبد الصـــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ