الــوعـي واللغــــة والكتــابة (الجـزء الثــاني).
فـي القــرن التاســع عشـــر (ســنة 1861م) ، أكتشـــف الجــراح الفرنسـي بــول بـروكــا (Paul Broca) منطقــة فـي الـدمـاغ مســئولة عـن القــدرة عــلى أنتــاج الكـــلام. وفـي نفـس القــرن أكتشــف كـارل فيرنيكــه  (Carl Wernicke) طبيـب الأعصــاب الألمـــاني، منطقـــة فـي الـدمــاغ مســئولة عـن فهــم الكــــلام، وتـم تســميتها لاحقـــا بأســـم “منطقـــة فيرنيــكه ” (Wernicke’s Area). وهــذه المـراكـز جـزء مـن كـل تركــيب الـدمـاغ، وهنــاك تـداخـلات آخــري فـي التكــوين الجـيني، وجميعهـــا مترابطـــة مـع بعضــها البعــض وفـق شـــيفرة، تحكـم كـل هـذه المكــونات فتعمــل معـا بأنســجام وتنــاغم.
اللغـــات غالبـــا مـا تتغــير مـع الـزمـن، مـن حيـث النطـــق والقــواعد والمفـــردات. وعـلي ســـبيل المثـــال اللغـــة الهـندوأوروبيـــة أعـيد بنـــاؤها مـن لغـــات كــثيرة كاللآتينـــية والسـمســكريتية والفارســية والجرمانيــــة.
الترتيــب المنطقــي لتعـلم اللغــة والمهــارات المرتبــطة بهـــا، اللغـــة (الفهـم الشــفهي والتواصـــل)، ثـم القــراءة بعــد أتقــان اللغـــة “يـآتي فهــم الـرمـوز المكتــوبة (حـروف وكلمــات)”، ثـم الكتــابة تــآتي بعــد القــراءة “تحتــاج فهــم اللغــة والمهــارات الحركيــة فـي رســـم الحــروف”.

بتــدبر قــول الله تبــارك وتعــالي وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. سـورة البقــرة 31.
فالله ســبحانه وتعــالي قـال علـم آدم ولـم يقــل لآدم أقـــرأ. فعـلم بالعقــل والمنطــق تعــني وضــع البرنـامج الـذي يمكــن آدم مـن الكـلام والنطــق، وهــذا يســتلزم وضــع برنـامج دقيــق “برمجــة” دقيقــة ومتناســقة ومتنـاغمة، وهـذا يســتلزم تفعيــل برنـامج النطــق بـدء مـن التكــوين الجيــني، وحـتي جهــاز الســمع والنطــق والمـخ وهــو وحــدة التحـكم والســيطرة فـي الأنفعــال وتلمـس المدركــات. لهــذا قــال الله ســبحانه وتعـالي “فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا. ســورة الكهــف 65″، فهــذا العبــد الصــالح عـلم مـن عـلوم الله ســبحانه وتعـالي اللدنيـــة، آي الله تبــارك وتعــالي أعطــاه برنـامج مـا “برمجـــة” لأدراك مـا لـم يـدرك، وهـو قــراءة المســتقبل المـوجـود فـي عـلم الله ســبحانه وتعـالي، ولا يمكــن الـولـوج أليـة بقــدرات الأنســان المحــدودة.
وهنـــا لنتوقــف قليــلا، أليـس المـخ البشـــري يشــبه الكمبيــوتر، والأنســان جـاء الـي العـالـم ومعـه نظــام مـن الله تبــارك وتعــالي، والشــيطان فيمــا بعــد هـو مـن يقــوم بـزرع الفيروســـات فـي هـذا النظــام الألهـــي. الـواقـع هـو مـا تـم ترســـيخة للبرمجـــة التـي تـم تثبيتهــــا فـي المــخى”البنــاء الزمكـــاني أو أدراكنـــا للزمكـــان”، والبنـــاء الزمكــاني هـو أدراك للأبعــاد المكانيــــة “طـول – عـرض – أرتفـــاع”، أمـا الزمــان هـو غيــب يتحــول وفـق الـزمـن الميكـانيــكي الـي ماضــي وحاضــر ومســتقبل، وعـلي أرض الـواقـع والـذي يعتــبر لحظـــة أو جـزء مـن كــل، الـولادة نقطـــة البـدايـة والمـوت الســريري هـو نقطــة النهـــاية. فالله ســبحانة وتعــالي هـو مـن قــدر فهـــدي.
التعليــم كـلي وليـس جــزئي، فالكـل يتفــاعل مـع الكــل، وهـذا مـا يســمونة فـي المـادية بالطفـــرة، آليـــات تكـوين المعـاني معقــدة وفـي نفـس الوقـــت فطــرية “برمجــة وضــعها الله سـبحانه وتعـالي فـي الأنســان”، فالأنســان مبـرمج عـلي القــدرة فـي الـربـط بيـن المــواد وبيـن التراكــيب الصــوتية، والعـديد مـن المفـاهـيم فـي برنامجــه الجــيني.
التعليـــم لا يجــب أن يفهــم بالمعــني المتــداول، وهـو نقـــل المعــرفة مـن المعــلم الـي المتعـــلم، بـل القــدرة عـلي الدراســـة والبحــث والتحليـــل والأســـتنباط وغــيرها. فالتعليــم عمليــة ممنهجـــة تهــدف الـي نقـــل المعــرفة والمهــارات والقــيم.

لأبــد أن تســبق اللغـــة الكتــابة، وتاريخيــــا الكتــابة تـلي اللغـــة، وهــذا منطــقي، فاللغــة تاريخيـــا تنشـــق منهـا ما يســمي لغـة آخــري أو ما يســمي لكنــه، وعـندما يتـم ترســيم اللغـــة عـن طـريق مـا أطـلق عليــه حــروف أبجــدية، تتحــول اللغـة الـي كتــابة، لــذا الكتــابة ســاهمت فـي توثيـــق اللغـــة وتطـــور الأدب والعـــلوم.
ولهـــذا قـال الله تبـارك وتعــالي “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. ســورة أبراهـيم 4”.
فلكــي يـتم رســالة الرســول لأبـد أن تكــون بلغـــة النـاس المحيطيــن بهـذا الرســول، حـتي يمكـــن أدراكهـــا وتـدبرهـا.
أكتفـي بهـذا القــدر ونكمــل فـي الجــزء القــادم أن شــاء الله عـن أقدميــة اللغــة العربيـــة.
خـالـد عـبد الصــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ