

الــوعـي والأســـرار.
فـي هــذا العـالـم ليســـت كـل الأســرار مخفيـــة، فبعضـــها يقـــال فـي العـــلن دون قصـــد فـي الحيــاة اليـوميـة، وتتســرب هـذه الأســرار عـبر نبــرة الصـــوت، ضــحكة أو أبتســامة قصـــيرة، جمــلة قـد تبـــدو معتـــادة وعـابـرة، لكنهــــا قـد تحمــل أســـرار نفســـية غــير مبــاح بهـــا، والتـي يحــاول الشـــخص أخفـــاؤها عـن ذاتـــه أو ماضـــيه أو تجــاربه، الـواعـي والفطـــن لا يحتـــاج الـي ســـرد القصــص والأحــداث، بـل يكتفـــي بمـا خــرج الـي العــلن بشـــكل تلقـــائي أو عفـــوي، فيحصـــل عـلي النتــائج المبدئيــــة مـن معطيــــات محـــدودة ولـم تعطــي بشــكل مباشــــر.
قـد يبـــدو للجميـــع أنهـا جمــل عــادية، لكــن بعــين الخــبير تحمــل بصــمات واضــحة، المعظـم يحــاول أن يتجمــل، والتجميــل مـا هـو الا أرتــداء حجـــاب “ســـــاتر”، يحجـــب رؤيــة الحقيقــــة، والتـي غالبـــا مـا تكــون مؤلمــــة.
فعنـــدما يتحــدث البعــض عـن الحــرية، وعـن الأنفتـــاح، وعـن التجــربة، لا يـذكـر الآثــر النفســي أو التغـــييرات التـي تـم نحتهـــا عـلي جـدار النفــس، فمـا يقـــال باللســـان قـد لا يكــون بــؤرة الحقيقــــة، لكنــه الغــبار المعــرفي المـراد أخفـــاء الحقيقـــة بـداخــله. المنــاطق الـرمـادية بيـن الحقيقـــة والتمـــوية، وبيــن التجــربة والأنكــــار، هـي مـا تحتـــاج الـي أســـتقراء التفاصـــيل، بمنتهـــي الحيـــادية، حــتي لا تختلـــط الأمـــور وتكــون النتــائج ســـلبية، بعــيدة تمـامـا عـن الأيجابيــــة فـي الأســتقراء والتحليـــل.
ونتيجــة الأســتقراء خاصـة بكـل مســتقراء عـلي حــده، وقــد تختلـــف هـذه النتيجـــة مـن شــخص لآخــر طالمـا الأســتقراء خاضــع لنظــريات مـا، طالمـا لـم تتـوفـر الحقــائق الدامغــة الملموســـة والمعــترف بهـا.
قـد تكــون الجمـــل، والتـي هـي عبــارة جــزء ضــئيل مـن الحديـــث، أشـــد تآثيــرا عـلي الــذات مـن الأعـــتراف. المعظــم يلتحـــف حجــاب الفضــيلة، المتناســـب مـع العــادات والتقاليـــد والأعـــراف، وهــذا بــؤرة النفـــاق، أمـا المتبـــع للمنهـــج والتكلـــيف هـو صــادق مـع ذاتـه ومـع الآخـــرين، عـندما يخطــئ يعتـــذر ويســتغفر، يكــره المعصــية ولا يكــره العاصـــي.
النـاس جميعـــا ظـاهـريا متشـــابهين، لكــن لكــلا منهــم بصــمته الخاصـــة بـه، فعنــدما يصــرح أحـد أن الجميــع متشــابهين قــولا وفعـــلا، هــذا ليــس تصــريحا بريئــــا، وليـس حكمـــا تعميميـــا، بـل أعــتراف مبطــن بتجــارب متراكمـــة تتلاشــي فيهــا الأســماء والحـدود بيــن الشـــخصيات، وقـد يكــون ذلــك نتـــاج مســار طـويـل مـن العـلاقـات العــديدة المتكــررة بنفــس النمــط أو المنــوال، وهنــا يســتنســخ الشــخص الجميــع عـلي نحــو واحــد دون وعــي بأختــلاف البصــمات الشــخصية أو النفســية مـن شــخص لآخــر، وهــذا عمــي قــد يكــون مؤقـــت عــن البصــيرة بالحقيقـــة، وقـد يكــون هــذا التصـريح درع دفــاعي لأخفــاء شـــعور داخــلي بالخــذلان، والتكــرار نتيجــة الخطـــأ المتكـــرر، عـندها يســود التعمــيم دون محـاولـة لتصــحيح الأخطــاء، فيتـم الأسـتسـلام لنظــرية التعـميـم، بحثـــا عـن راحـة كـاذبة “ســرابية” فتـــؤدي بصــاحبهـا الـي الــوهـم والســـراب مـع غيـــاب الـوعـي الـذي أختطفـــه آخــرون. وطــريق الســراب يعــني عــدم التمـــييز بيــن هــذا وذاك، ولتبــرير الأنكســـارات يتـن الأسـتســلام للتعميــم، وهـذا قــد يـولـد أشــباع دون أشــباع، ومعـرفة ســرابية تــؤدي الـي المــلل.
وعــندمـا يقــول شـــخص “أنـا لا أحــب العــلاقــات الجــادة”، هــذه الجمـلة تخفـــي خلفهــــا تجــارب متراكمـــة مـريـرة فـي الغالـــب، لــذا يهــرب الشــخص مـن الجـــد الـي الهـــزل، فالعـلاقـات الأجــود بالنســبة لـه عـلاقـات عـابرة، وقتيـــة بلا ضــوابط وبـلا معــايير، لـذا فضـــل العــلاقـات الهزليـــة عـلي العـلاقـات الجــادة، هــروبا مـن المســئولية والتبعـــات، وهـذا النــوع يعكــس التبـــلد العاطـــفي، والهــروب مـن فكــرة الألتــزام لأعتبـــارها عبــــأ وخطـــر، لـذا لأبــد مـن الهــروب منهـــا.
وعــندمـا يقــول شـــخص “أنـا جــرئ ولا أخــاف مـن التجــربة”، ظـاهـريا قـد يعكـس الثقـــة بالنفـــس أو الأنفتـــاح العقــلي والمعــرفي، لكنهـــا قـد تخفــي أعتيـــاد التجــربة “لا فــرق بيـن الســلبية والأيجابيـــة”، وهـذا الأعتيــاد ســواء جســديا أو نفســـيا بتكـــرارية، وهــذا يعــني لا غمـــوض، ولا خجــــل، ولا رهبـــه، فالكـــل ســـواء “فكــرة التعميــم”، ويتـم تناســـي أنـه لا تطبيـــع بيــن الماضــي والحاضـــر والمســتقبل “دائــرة الـزمـن” دون أجتبــاب الأخطــاء وأصــلاح مـا تـم أفســـاده. أمـا لغـــة التحـــرر غالبـــا مـا تـؤدي الـي المـزيـد مـن الأخطــاء والفســـاد، مـن لا يكتــرث تحـــت مظــلة الجــرأة هـو متبـــلد للمشـــاعر، ومتبـــلد المشـــاعر يفقــد الهيبـــة والحيـــاء، فيســـقط الـي قــاع المجتمــع بكـامـل أرادتــه متمســكا بالأحاسـيس “الشـــهوات” دون المشـــاعر التـي غالبـــا مـا تهـــذب النفــس. وقــد يكــون أدمــان التجــارب الغــير مـوثـوقة النتــائج، هــروبا مـن فــراغ داخــلي لا يمــلأ الا بالأحتكــاك المؤقـــت لمحــاولة شــغل الفــراغ.
الجــرأة الـزائـدة وفقـــدان الحيـــاء، يفقــــد الشـــخص الحكمـــة والخصـوصـية، فيصـــير عــاري أمـام الجمــيع، وهــذا العـــري ليــس جســدي فحســـب، بـل هــو عــري نفســـي أيضــــا، وهـو أشـــد وطـــأة عـلي النفـــس.
وعــندمـا يقــول شـــخص “لا أحــب الحديـــث عـن الماضـــي”، قـد تعــني فـي ظــاهـرهـا الخصــوصـية والحيــاء، لكنهــــا قــد تســتخدم كـدفـاع مبطـــن عـن ماضــي ممــلؤ بالتجــارب الســـلبية، التـي يصـــعب الأعتــراف بهـــا. وقـد يـدرج ذلــك تحــت مســمي الكـبت الــواعي، وهـو أن يكــون الأنســان مـدركـا لمـا يخفـــي، لكنــه يختــار الصــمت عـلي ســـبيل محــاولة النســيان أو الخــوف مـن المواجهــــة.
وعــندمـا يقــول شـــخص “أنـا ليــس مثــل بــاقي النــاس”، قــد تعــني فـي ظـاهـرهـا التفـــرد والأختـــلاف، لكنهــــا قـد تخفـــي رغبـــة لا واعيــــة فـي التبـــرؤ مـن حقبـــة زمنيــــة مـا، أو التمــلص مـن أفعـــال قـد تكــون مشــينة أو منكـــرة. التفـــرد دائمـــا لا يعــني النقـــاء، بـل قـد يكــون حيــلة لتغليـــف أحـداث مـا لأخـراجهــا عـن محتــواها أو مضــمونها. وقـد تســمي نفســـيا العــزل الـرمـزي، بالأنكـــار للحفـــاظ عـلي صـــورة ذات قـدر عـالـي مـن الفضـــيلة.
وراء كــل جمــلة بســـيطة أو تكـــرار لغــوي مـألــوف، تـوجـد “شــيفرة داخليـــة” أو “بصــمة نفســـية” تكشـــف عــن الــذات وحاضــرها “حصــاد بـذور الماضــي” وماضيـــها، حـتى مـن دون وعـــي المتحـــدث. فالـذين يبـــدون واثقـــين، ســاخرين، غامضـيين، ليســـوا كذلـــك فهـــذا حجـــاب لحجـــب الحقيقــــة والتي قـد تكــون مؤســـفة.
خـالـد عـبد الصـــمد.
أضف تعليق