
الـــوعـي والنــــوم.
بقليــــل مـن التـدبر والتــأمـل فـي كلمـــات الله تبـــارك وتعـــالي، قـد نـدرك أو نســتلهم المعــاني الكامنـــة فـي هـذه الكلمــات المقدســــة، كلمــات الله ســبحانه وتعــالي هـي المطلقـــة فـي المعـــاني، لتناســـب كـل زمـان ومكـــان.
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. ســورة الـزمـر 42.
وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا. ســورة النبـــأ.
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا. ســورة الفـرقـان 47.
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ. ســورة يونـس 67.
وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. ســورة القصـص 73.
وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ. ســورة الـروم 23.
قـد يســـتيقظ البعــض مـن النــوم، وكــأنه كـان يحمـــل عبـــأ عـلي كتفيـــه طــوال الليـــل. لــذا لأبــد أن نتســـأل لمــاذا هــذه المفــارقة والتـي تجعـــل مـن النــوم الطــويل أثقـــل عـن النفــس والجســـد مـن الســــهر؟ وكــيف تتحـــول الـراحـة الـي معـــاناة؟.
قــد لا تكــون هــذه المعــاناة مجــرد تعـــب جســـدي، بـل شـــئ أعمـــق مختفـــي فـي غيــاهب النفـــس.
فـي النـــوم قـد يعـــبر الأنســـان بــرزخ “حجـــاب” بيــن عالميــن، أو عـوالـم عــدة، وهــذا العبـــور لا يحــدث بطريقـــة أو آليـــة خاطئـــة، والأنســان أثنــاء النـوم العميـــق، يغـــوص الـي حــد معـــين فـي هــذا البـــرزخ “منطــقة متــاحة بيــن الزمكـــان “الحيــاة الدنيـــا” وبيـن مـادة بـلا مــادة “المـوت الســـريري””، فالأنســـان قـد يتخبـــط فـي الظــلام أثنــاء النــوم، ثـم يخــرج الـي النــور عنـــد اليقظــــة، فـي النــوم معـــايير الـوعـي تختلــــف “وتســـمي علميـــا اللاوعـــي مـع أنهــا الـوجه الآخــر للـوعي”، وفـي اليقظـــة معــايير الـوعـي يحــددها قوانيــن وقـواعـد آخــري لهـا محــددتها المتعــارف عليهـــا علميـــا، وعـند الأســتيقاظ قـد يتشــــتت الـوعـي، ويظـــل جــزء منــه فـي مـرحــلة النـــوم. وكــأن هنــاك حجـــاب كثيـــف يحجـــب الشـــعور بالحيــاة الحقيقيـــة “المــادية” أو الـواقـع المحيـــط.
وبمحــاولة تـدبـر ماهيـــة النــوم، قـد نجـــد أن للنــوم آداب وحكمـــة، دون الأفــراط فيـــه. قـد يكــون النــوم نعمـــة، وقـد يتحــول الـي نقمـــة. لـذا كيــف نتيقـــن أن النــوم حجـــاب “مجــرد ســتار” أم راحـــة لأســتعادة الـوعي النفســي والجســدي؟.
عـند الأســتيقاظ مـن النــوم والشـــعور بالنشـــاط والوضــوح والرغبـــة فـي بــدأ الأنشــطة اليوميـــة، هــذه هـي الــراحة. أمـا عـند الشـــعور بالقــلق والريبــــة والحيــلولة دون النشـــاط، فهـــذا يعــني أنـه حجـــاب “رحــلة هــروب”، وهــذا يعــني أن الأنســـان مـازال عـالـق فـي نفـــق اللاوعـــي.
الـراحـة تعـــيد الـي الأنســـان الطــاقة والحيــوية، أمـا الهــروب يضــيع الحيــوية، ويتــرك النفــس تتخبـــط فـي متـــاهة مـن الضــباب. للمـادة دورات طبيعيـــة، ومخالفـــة هـذه الــدورات، يخــل بتــوازن الطبــائع، فالمـادة تختـــل فـي حـركـات البنــاء والهـــدم، والنفــس تتشـــتت بيـن أوهـام وســراب، مـع الأفــراط فـي النـــوم تــزداد بــرودة الجســـد، وزيــادة الشـــعور بالخمــول والكســـل، والخــلل فـي هــذا الأيقـــاع الـداخــلي، يـؤدي الـي الأنحــراف عـن الفطــرة الســـليمة، وبالتــالي يـؤدي الـي أيقـــاع شـــاذ، وتشـــتت النفــس فـي البحـــث عـن الأيقـــاع المفقـــود. فعــندما يســـكن الجســـد “المــادة”، تنطــلق النفـس خــارج الحجـــاب الـي البــرزخ، المتنـــاهي فـي الأتســـاع، وهـي المســاحة الغامضـــة بيــن اليقظــة والمـوت الســريري، وكلاهمـــا متـلازمـان.
النـوم الصــحيح يعــيد النشـــاط للنفــس، أمـا النــوم المضـــطرب فهــو الــداء الـذي يؤرقهـــا ويشـــتتها، والـذي يتســـبب فـي ضــياعها وعـدم أســتعادة ضـــبطها، فتصـــبح النفــس كالطــائر الـذي أعتــاد الطــيران، فـي مســـاحات محـــددة، فيطـــير فـي دوائـــر بعينهــــا، وعــندما يعــود الـي عشـــه للـراحـة، لا يجـــد العـــش فيصـــير فـي العــراء بلا ســكن ولا مــأوي “يظـــل هـائمـا عـلي وجهـــه دون وجهــة يتجـــه أليهـــا”، وهــذا الشـــعور الغـامــض بكتنـــف المســـتيقظ بعــد نــوم طـويـل غــير مبـــرر. وكــل شـــئ فـي الـوجـود لـه دورة كونيـــــة “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ. ســورة القمــر 49 – وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ســورة القـصص 88″، وآي خــروج عـن هــذه الــدورة يخـــل بالتــوازن الكــوني فـي الأنســـان. لــذا النــوم ليــس مجــرد راحــة للجســـد كمـا يعتقـــد البعـــض، لكنـــه طقـــس “ســـنة” يـومـي يعـــيد ترتيــب طـاقـات الأنســان الداخليـــة، وينظـــف ذاكــرته مـن الموبقـــات اليوميـــة المقــترفة، شـــرط الأعتـــدال فـي الـراحـة دون أفــراط فيهـــا ” قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. ســورة القــصص”. الأفــراط دائمـــا مـا يضـــر بالغــاية مـن الأصــلاح المطــلوب للنفـــس، مـع النــوم الطـويـل قـد تمتــص النفــس طــاقـات مشــبعة بذبذبـــات دونيـــة، لا تتناســـب مـع أيقــاع الحيــاة اليوميـــة.
قـد يكـون الأفــراط فـي النــوم يخــل التــوازن، بيــن النفـس الناطقــــة والنفــس الحيــوانية، فمـع زيــادة النــوم تميـــل النفــس الحـيوانيــة للمـزيد مـن الهيمنــــة والســـيطرة عـلي النفــس الناطقــــة، فيتحـــول الأنســان للعيــش عـلي الغــرائز والشـــهوات، بـدلا مـن العيـــش عـلي الـوعـي والأرادة وبوصــلة المنهــج والتكليـــف.
ســـاعات الليـــل لهـا أيقـــاع الســـكون، وســـاعات النهـــار لهــا أيقـــاع النشــاط والضــجيج، والخــلط بينهمــا يـؤدي الـي خــلل مباشـــر فـي الأتــزان. فطبيعــــة الأنســـان وفطـــرته أنـه كــائن نهـــاري، يهـــدأ فـي الليـــل وينشـــط فـي النهـــار، وعــند الخــروج عـن هــذا الأيقــاع هـو أخــلال بالمنظــومة الحيــاتية اليوميـــة.
التنـــاغم مـع أيقـــاع الطبيعـــة هـو الفطــرة الســليمة، وعـند النــوم أكــثر مـن الحـاجـة تــزداد فـرص أنغمـاس النفــس، فـي أنمــاط تفكـــير ســـلبية، وأحيــانا تكــون لأجـــترار الأفكــار القديمـــة الطالحـــة المؤلمـــة، وهــذا يــؤدي الـي الشـــعور بالمــلل النفســي، وهـو مـا يحـــول دون محــاولة فهــم وأدراك مـا هـو جــديد ونــافع، “وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. ســورة الـزخـرف 36 – وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ. ســورة ق 23 – قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ. ســورة ق27”.
الأنســـان الــواعي هـو الصــادق مـع نفســـه قبـــل الصــدق مـع اللآخــرين، وقـد يكــون النــوم الطــويل هـو أحـد أشـــكال الهـروب الطــوعي، ليكــون بــراءة فـي الظــاهر بحجـــة الأســـتجمام، وقـد يمثــل خطــورة فـي البــاطن، لأجتنـــاب الصــدام بيـن المــرء ونفســـه. الأنســـان بفطــرته يحتــاج الـي الشـــعور بالمســاهمة فـي الحيـــاة، ليشـــعر بقيمتـــه الحقيقــية لكــونه كـائـن أجتمــاعي، وعـندما يـدخـل دوامــة الشــعور بالذنــب، قـد يلجـــأ الـي النــوم للهـــروب، لــيزداد قطـــر الـدائـرة المفــرغة القاســية التـي يتحــرك فيهــا أو تحتــويه داخليـــا.
النــوم المفــرط يســرق اللحظــات الذهبيـــة، ويســـرق أثمـن ما يملكـــه الأنســـان، وهــو الـزمـن “العمـــر” ويليـــه الطاقـــة، ويليـــة الشــعور بالحيــوية. فالنــوم الطــويل قـد يكــون لـذيذ، يخـــدر بـدلا مـن الشــعور بالألــم، لكنـــه داء قـاتـل ببــطء.
الحـرية دائمــا مـوجـودة فـي الأختيـــار، ومـن يخــاف أســتعمالها، فهــو غــير قــادر عـلي تحمــل الأمـانـة، المتمثــلة فـي المســـئولية لأداء الواجبـــات ومـن ثـم المطالبـــة بالحقـــوق. والعــودة الـي الفطــرة الســليمة هـي مفتــاح الشــفاء الحقيقــي. وعــند أدراك ماهيــة نهــر الطـاقة الخفــي، الـذي يتـدفق فـي أعمـاق النفــس، ليتفـــاعل معـه كـل خليـــة فـي الجســم، هـذا النهـــر لـه مـد وجــزر وفيضـــان وأنحســـار، وهــذا الأيقــاع يتنـــاغم مـع أيقـــاع الكــون “الســنن الكونيـــة”، وكذلــك أيقــاع المكــون البشـــري “مـادة + طــاقة”. قـد يســمي هـذا النهـــر بالطـاقة الحيــوية أو الحــرارة الغـريـزية، وســـاعات اليــوم الـواحـد تمثـــل جمــيع مـراحـل هــذا النهــــر الخفـــي “ما بيـن نشــاط وســـكون”، لــذا عـلي الأنســـان الـواعـي الحصـــول عـلي طـاقة النمــو والأزدهـــار، بجانــب الحصــول عـلي طـاقـة البقـــاء، وهــذا لـن يتــآتي الا مـع الأنســجام والتنــاغم مـع الســنن الكونيـــة.
لأبـد مـن المواجهـــة بعـــيدا عـن ضــجيج الأصـــوات، وبعــيدا عـن المــبررات والأعـــذار، للحصــول عـلي الحقيقـــة مـع النفــس أولا، قبـــل الحصــول عليهــا مـن أفــواة الآخــرين، كـل أنســان يمــر بــدورات ومـراحـل عــدة، مـن الصــحوة والغفــلة، ومـن الوضــوح والتشــــتت، ومـن القــوة والضـــعف، ولحظــة اليقظـــة هـي الفاصــلة بيــن هــذا وذاك.
لأبــد أن يعقـــد الأنســـان مـع نفســـه ميثــــاق، ميثـــاق بلا شـــهود ولا ضـــامن، والشــاهد والضــامن لهـذا الميثـــاق هـو الأنســان نفســه لنفســـه دون غـــيرة، ووفــق هــذا الميثـــاق يحاســـب الأنســان نفســـه بنفســـه، وهــذا الميثـــاق هـو ألتــزام نفســي ينبـــع مـن أعمــاق الكينــونة. وهكــذا قـد يصــبح الأنســـان النســخة الأفضـــل مـن نفســـه، للحصــول عـلي الفــرص والنمـــو والتطـــور بعــيدا عـن المـألـوف.
النــوم إذا فهِـــمَ فـي إطـــار العبــادة لا العــادة، صـــار مفتـــاحا للفهــم، وميثـــاق لصــفاء النفــس. فكـــل ســكون فـي الحيــاة الدنيــا أمـا أســـتعداد لنــور فـي اليقظـــة، أو أنســحاب إلـى ظــلام الغفـــلة والضـــلال.
خـالـد عـبد الصـــمد.
أضف تعليق