الــوعـي والتحليــل النفســي الغــربي
للأســـف معظــم علمــاء النفــس الغربييــن، أنصــبت معظــم دراســتهم عـلي النوعيـــة الرديئـــة مـن النفــس البشـــرية، وهـي النفـس الأمــارة بالســـوء، ومنهــم ســـيجموند فــرويد خصــوصا.
وبالقــراءة لكــارل يـونـغ، يقــول العــديد أنـه أكتشـــف حقيقـــة مـدمـرة حـول الطبيعــة البشــرية، وهـذه الحقيقـــة هـي غمــوض العقـــل اللاواعــي، وهـي الحقيقــة الظليــة البشــرية، والتـي يحتــاج التعـامل معهـــا الـي الـوعـي اليقـــظ لأدراكهــا والتعــامل معهـــا.
ويقــول يـونـغ فـي ذلــك، أن الأشــخاص الـذيـن يـدعـون حبــك ودعمــك والـوقـوف الـي جانبـــك، هـم أنفســـهم الـذين ســينســون أحســانك فـي أيــام قليـــلة، وســيتذكرون أخطـــائك لعقـــود.
ويـزعـم يـونـغ أن كـل أنســان لـديه العــديد مـن الأقنعـــة، يـرتـدي منهــا مـا يناســـب الحــدث، ومـن هـذه الأقنعـــة مـا يســمي مفــارقة الأمتنـــان، وهـي بأختصـــار عبــارة عـن مســـاعدة مـا، فـي فتــرات حالكـــه لـه، وذلـك بالتضــحية بالوقــت والطـاقـة والمــوارد، فيعتــبرك هـذا الصــديق مرســـاته العاطفيــــة، الـتي أنتشـــلته مـن اليــأس، وبعــد عـدة أســابيع مـن أنتهـــاء أزمــة هـذا الصــديق، ينســي الصــديق كـل شــئ، وهــذا ما يســمية الطـب النفســي، فقــدان ذاكــرة المنفعـــة، ويعتــبرها الطــب النفســي آليــة دفـاع نفســية، تجعــل الشــخص ينســـي التجــارب الأيجابيـــة، أكــثر مـن التجــارب الســلبية، فالعقـــول تعمـــل ذاتيــــا ضــد الأمتنـــان، حــتي لا يكــون الشــخص مــدان نفســـيا، بأزالـة الديـن النفســي لكــون الآنــا البشــرية تحتقـــر الشــعور بالمديونيــــة، ولهـــذا زعــم يـونـغ أن العقـــل البشــري مثـــل متحـــف للمظالـم ومقــبرة للصــنائع، وهنـــا قـد يكمــن ســـر الخــداع العالمــي، وهـو مقــارنة النفــس بمحيطهــــا مـن صــدق أو خــداع، وفـي اللاوعــي يتـم أبتـــداع المــبررات والـذرائع “الـذات الظليـــة”، وهـذه الخوارزميـــات النفســية شـــبكة مـن الـدوافع اللاواعيـــة، وحســابات البقـــاء، وآليــات حمــاية الأنــــا.
وهـذا مـا يفســد الحيــاة الأســرية والأجتمــاعية، يفســـد العـلاقـة بيـن الأب والأم والأبنــاء، تحــت وطــأة الحـاجـة الحاليـة أو المســتقبليه. وكذلـك يفســد العـلاقة بيـن الأصــدقاء تحــت وطــأة الأنتفـــاع، وهــذا مـا يســمي رقصـــة الظـــل، والتـي يســتخدم فيهـــا الكــل للكـــل، لأجـــل المصــلحة والأنتفـــاع دون قـواعـد حاكمــة، وهكــذا يختــلط الصــدق بالكــذب، والحــق بالبـاطـل، للمحافظـــة عـلي حمــاية الأنـــا دون ســـواها. وهــذا دوارة لأنمــاط عـديـدة ومتشـــابكة، ومنهـــا نمــط الـولاء المشـــروط (تغـــيير مشـــاعر المحيطــين وفــق الظــروف)، وهــذا يعــني أن الـولاء لـه تـاريخ أنتهــاء صـــلاحية، وهــذا التــاريخ مرتبـــط بمــدي تقــديم الخــدمات وفقـــا للأحتيـــاجات، وعليـــه فـأن الـروابط البشــرية ليســـت مســتقرة، بـل مؤقتـــة وفــق الأســتفادة. وهـذا ما يسـمي فـي عـلم النفــس بطــاقات التســـجيل الغـير مرئيـــة، وهـي حســابات لا واعيــه للأخــذ والعطــاء والمنفعـــة والتكلفـــة، وبمقتضـــاها يحـــدد أن كـان الأتصــال سـيســتمر أم يتلاشـــي، مـع أول تغـــيير للظــروف “المعـاييـر أو المعطيـــات”. ومـن هنــا ومـن هـذا المنطــلق يصــبح تفســير الحــب، المشــاعر التـي يشــعر بهـا المحيطـين بهــا، عــندما تخــدم هـذه المشــاعر أحتيـاجاتهـم (الحقيقـــة الآثـرية للســلوك البشــري أو ما يســمي ســراب الـولاء).
كــل مـا ســبق يعــني أن الأســـر والمجتمعـــات والأقطـــار، كـافـة عـلاقـاتهـا مبنيـــة عـلي المصــلحة بشــكل مطــلق، وأن الأنســانيات والأخــلاق هامشـــية.
الـولاء الحقيقــي يتطلـــب تاقــدرة عـلي التصــرف ضــد المصــلحة الذاتيـــة، بـدافـع مـن المبــادئ والأخــلاق. وهـذا للأســف لا يمتلكــه معظـم البشـــر، وهــذا الـولاء الحقيقــي ينبـــع مـن تهذيـــب النفــس، فقمــة النضــوج البشــري عـندما يتوقــف الأنســان عـن التظــاهر، بـأنـه مســتثني مـن الأنمــاط البشــرية العالمــية.

الرســـالات الســماوية كـافـة كـان محــور الأصــلاح الكــوني فيهـــا للنفـــس، ومـا يســمي اليــوم أكتشـــاف، هــو ليــس بأكتشـــاف، ولكـن محــاولة أســـتعادة الضــائع مـن العــلوم، فالله ســبحانه وتعـالي هـو مـن خــلق النفــس، وخلــق منهـــا المشــابه لهــا فـي الزوجيـــة، وهــذا واضـــح مـن آيــات القــرآن الكـريم، وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. ســورة الذاريــات 49، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا. ســورة النســاء 1.
والنفـس كالطفـــل يلـزم رعايتهـــا وتربيتهــــا، ومـع الـرعـاية والتربيـــة تــآتي مرحـلة الفطــام عـن المعاصـــي والمنكـــرات، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ. ســورة الـرعـد 11.
وعــند عـدم تربيــة النفــس، ســـتخالط المعاصـــي، فتــزين لهــا الشـــهوات الـوقـوع فـي المهلكـــات، وهــذا مـا حــدث مـا حـدث مـع أمــرأة العــزيز، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ. ســورة يوســف 53 ، ومـع الســامري عنــدما أضـــل عبــاد العجـــل، قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي. ســورة طـه 96. والمـذبـذبيــن التـي ينطــبق عليـهم مفــارقة الأمتنــان وفقــدان ذاكــرة المنفعـــة، وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. ســورة العنكبــوت.
ومـن أمثــلة النفـس الأمـارة بالســوء الســالف ذكــرها، يتضــح معــاني ماهيـــة فكـــرة الظــل واللاوعــي – مفـــارقـة الأمتنـان وفقــدان ذاكــرة المنفعـــة – رقصــة الظـــل والعـلاقـات النفعيــة – بطـاقـات التســجيل غيــر المرئيـــة – الــولاء المشــروط وســراب الحـــب.
وعنــد تربيــة النفــس ورعايتهــــا، وفــق المنهــج والتكلــيف، مـع مـراعــاة محفــزات الــوعي الأيمــاني، لتحفـــيز المنــاعة الأيمانيـــة، تكــون النفــس موحــدة وراضـــية، فتبـــلغ كمــال الأيمـان ولطائــف الأحســان والخــلق الطــيب، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي. ســورة الفجــر. ومـن أصــحاب النفـس المطمئنــة “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ســورة الحشــر 9”.
وهنــاك النفـس المترنحــة بيـن الخـــير والشـــر، وهـي النفــس اللــوامـة، ” لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ. ســورة القيــامة”، وهـي النفــس التـي تغالــب الشــهوات تــارة، وتغلبهـــا الشــهوات تــارة آخــري، وهـي نفــس طيبـــة، راغبـــة فـي العــودة الـي الحــق، والأبتعــاد عـن البـاطـل، وليـس مـادة الأصــرار والتحــدي.
لذلــك قــال الله تبــارك وتعــالي فـي النفــس، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9)  وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا. ســورة الشـمس.
وأخــيرا أســئل الله الهــدي والرشــاد للجمــيع، فالرشـــد هـو مطلــب كـل واعـي وعـاقـل ومتـدبر، كمـا جـاء فـي كتــاب الله ســبحانه وتعــالي، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا. ســورة الكهــف 10 – قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا. ســورة الجــن – وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. ســورة البقــرة 186، والرشـــد هـو أصــابة بــؤرة الحقيقــة، دون الأنغمـاس فـي الغبــار المعــرفي، لــذا الرشــد يختصـــر المـراحـل مـؤديـا الـي النتــائج المـؤكـدة دون غــيرها. لا صــلاح فـي العــلاقـات، ولا فـي المجتمعــــات، ولا فـي الـــذات، إلا بتهـذيــب النفــس، وتزكيتـــها، وتحــريـرهـا مـن عبــودية الأنــا والمصــلحة، وقيــادتهـا بالبصــيرة والرشــاد، فعبــودية الأنـــا وتعظيمهـــا كانـــت ســـبب العــداوة والبغضـــاء منــذ بـدايـة الخــلق، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. ســورة الأعــراف 12.
خـالــد عـبد الصــمد.

استجابة واحدة لـ “الوعي والتحليل النفسي الغربي.  بقلم الأديب الأستاذ خالد عبد الصمد”

  1. صورة أفاتار عبدالسلام هزاع محمد

    🌹🌹

    إعجاب

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ