
نهري الذي يسكنني…
بقلمي هدى عبده
يا هسيسَ الريح المولودَ من مساماتِ الوقت،
يا قُداسَ المسير في مآذن الروح،
أشعلتَ في مرافئي حريقًا
لم يُطفئه مد الغياب،
ولا أنهارُ الغيم المتساقطة من أكتافِ الفجر.
أتيتُك،
وفي يدي مفاتيحُ العمر،
أقايضُ بها أسوارك المفتوحة،
أحملُ على ظهري خرائطَ الجهات،
وأُلقي بها في مجراكَ حتى تتعلمَ الضفافُ
كيف تُصغي للماء وهو يكتبُ نشيده السري.
أنا شهقتُكَ الأولى،
وفوضى المجرات حين تتعثر بنجومك،
أنا ظلكَ إذا أرهق النورُ خطاك،
وأنا ليلكَ إذا أرهقكَ النهار.
دعني أندسُّ في أوردتك
كما تندسُّ القصيدةُ في قلب شاعرها،
دعني أتأبطَ شراعك المبلل
وأمضي نحو مواسمَ لم يزرعها سوى حنينك.
فيك أختبرُ الجوعَ للمسافة،
والشبعَ من اللمس،
فيك تتقافزُ أنفاسي
كما تتقافزُ السنابل تحت أيادي المطر،
وفيك الليل يتفتحُ قمراً
يضيءُ لي مسالكَ العودة.
يا نهري الوديع،
أيها المُقيمُ في مدائن نبضي،
يا من أسقطُ أمامه
كل أسلحتي التي صدئت من فرط الصبر،
خذني…
قبل أن تبردَ مواقدُ الانتظار،
وقبل أن يشيخَ العناقُ في شفاهنا،
خذني ضفّةً لك،
ومجرى،
وجزيرةً لا يعرفها الرحيل.
أشتاقك…
كما تشتاقُ الحنايا إلى قناديلها،
كما يشتاقُ البحرُ إلى المطر،
كما يشتاقُ الحجرُ إلى يدٍ تعيد تشكيله.
أكتبك…
وأعلم أني أكتبُ ملامحي،
فقد سرى فيك دمُ القصيدة،
وصار الوريدُ نهرًا،
وصار النهرُ وطنًا،
وصار الوطنُ أنت.
إليك أكتب
يا نهري الذي يسكنني
_____________
د. هدى عبده
أضف تعليق