
الــوعـي ودوارة التـــاريخ “الجــزء الخـامـس”.
مـن لا يــدرك حكمـــة الـوجـود مـن التــاريخ، ســيســقط مـن التـاريخ. عـدم الأدراك يعـني لا حاضــر “لا أمتــداد” ولا مســتقبل، فالتـاريخ هـو ســجل الأحــداث، ومـن لا يفعـــل لا ســـجل لـه. المفعــول بـه يســـقط دومـا مـن التــاريخ، مقــارنة الجــاري بالماضــي أهـم دعـائـم الأصــلاح. التبــاهي بالماضـي دون الحاضــر هــراء، فالبكــاء عـلي اللبـن المســـكوب مـا هـو الا الحســرة، والضــعف والأســتسـلام للـواقع. الهــروب الـي الماضـــي، خـدعـة ومخــدر للعـامـة والبعـض مـن الخاصــة. الماضـي لا يعــود، ولا يمكــن الـولـوج أليــه. بـل تـؤخـذ منــه العــبر والمـواعـظ. لـذا الهـروب الـي الماضــي بالتمسـح فيـه، أو ألقــاء اللـوم عـلي آخــرين فـي الماضــي، مـا هـو الا فتنـــة للألهــاء والفوضـــي. فالعــودة الـي تأييــد هــذا، أو معارضــة آخــر. مـا هـي الا وســيلة للجــذب الـي اللاموضــوعية، أو ما يســمي بالهرطقـــة. ومـن يســـتند عـلي التــاريخ، ســيخرج مـن الجغـرافيـا لا محــالة. الخـروج مـن الجغـرافيــا نتيحــة واقعيـــة “التهــديد الـوجـودي”، يـآتـي بعـد الخـروج مـن التــاريخ.
الغفــلة عـن التـاريخ، عاصــفة وبائيــة لا تبــقي ولا تـذر. عاصــفة ذات منحنيـــات متســارعة، تنبـــأ بالســقوط فـي مـراحـل متـأخرة مـن الســبات. والســبات العميــق هـو السـابق للأنهــيار الـوجـودي، الأجـراءات الأصــلاحية الفــورية، قـد تكــون أول درجـات الآفــاقة. المناقشــات والتصـريحات والمؤتمــرات الغــير جـادة بـلا جــدوي، مـا هـي الا حجــاب لأخفــاء وصــمات العــار والخــذلان. بـل وهـي الأعــداد للأعــدام عـلي مقصــلة التــاريخ، وفـق سـياســة الأمــر الـواقـع.
وعنــدما يكــون البقــاء الـوجـودي هــدف، يمتــزج المـؤيـد والمعــارض، لأثبـــات الـوجـودية والهــوية بـدلا مـن التلاشــي.
تاريخيـــا الظـلم مـن أهـم العـوامـل الجـوهـرية التـي تـؤدي الـي أنهــيار أو تـراجع الأمـبراطوريات، والظـلم هـو نـاتج الفســاد والأفســاد والضــلال والتضــليل. وعـلي ســبيل المثــال الحــروب الأهليــة الأوروبيـــة، والســبب المعــلن عنهـا الأنقســام الديـني، كاثوليــك وبروتســتانت. وكــان العـامـة هـم وقــود هــذه الحــروب، تـم أســتغلال جهــل العـامة بالعقيــدة، وقـواعـد البحــث والتحليــل والأســتقراء. فتـم الأنقــلاب عـلي العقــيدة، دون مـراعـاة أن المـلة الأصــلية هـي المســيحية، وأصــل الكتــاب الأنجيـــل والتــوارة. فتـم العبـث بمعــاني نصـوص الكتــاب، ودون مـراعـاة أن بعـض النصــوص قـد تكـون حرفــت عـن مواضــعها. وهنـــا الســؤال أيـن العقــل والرشــاد والهــدي عـند النخبــــة؟.
الأنقــلاب عـلي الكنيســـة ليـس هـو الحـــل، بـل الـرؤية الشــمولية للنصــوص هـو الحـــل. وفـي النهــاية العقيــدة حـرية تحــت مـزاعـم الديمقــراطية، وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا. ســورة الكهــف 29.
الأختــلاف العقــائدي ليــس ســببا منطقيـــا فـي الحــروب وأراقــة الـدمـاء “وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ. ســورة التـوبة 6″، وهـذا الخـلاف لا يجــب أن يطــال جوانــب الحيــاة، مـن تعليــم وعبــادة وقــانون وأخــلاق “المنهــج والتكليـــف”، أعتقــد أن الصــراع عـلي الســلطة السـياســية (الحكــومات العميقــة) وراء هـذا الصــراع، فصــار الـديـن وســيلة لتبــرير الطمـوحـات السـياسـية. لـذا أبتــدع الحكــام “المترفيــن أصــحاب المـال والسـلطة والنفــوذ” ما يســمي بالأصــلاح الديــني، لتعــزيز ســلطاتهم ســواء الداخليـــة والخارجيــة. وللأســـف مـال معهــم رجــال الـدين، ومـا هـم برجـال ديـن أنمـا منافقــين، يبتغــون زينـة الحيـاة الدنيــا. تـم أصــطناع مـا يســمي بالعــدو المزيـــف “الضــلال”، لأشــاعة الفـوضـي. فتــم أســـتخدام الطائفيـــة ســلاح للأقتتـــال، ولـم يجــرؤ أحـد عـلي تســمية هـذه الفــترة، بالمســيحية السـياســية، كمـا يـروج الآن لمصـطلح الأســلام السـياســي.
رحـلة المعــاناة صــناعة، وليســت صـدفة أو عشــوائية. وصــانع الفتــن يضــل العـامة أولا، حـتي يتمكــن مـن فـرض الســيطرة. والجـوع المعــرفي أشــد وطــأة عـلي العقــل والنفـس، مـن الجـوع المــادي “المـأكل والمشـرب”.
الحقيقــة تهــدي، أمـا الأكاذيــب لا تثمـن ولا تغـنـي مـن جــوع. كـل مـا هـو زائـف أو مـوجـه، يـتم أصــطناعه كغبــار معــرفي، للمـزيـد مـن الألهـاء والتخبــط. ولا أدعــاء لواجبـــات دون أن يكــون هنــاك حقــوق.
كـان نهــاية الصــراع الأوروبـي الأوروبـي أتفــاق وســـتفاليا، وكانــت النتــائج تغــييرات فـي الجغـرافيـا، وترســيخ مفهــوم الســيادة الوطنيـــة “أصــطناع الحـدود لتكــون وثـن للتقـديس”. وهـو مـن واقـع الأســتقراء أتفــاق ســياسـي، لمـا أســموه صـراع دينـي، مـع حـريـة المعتقـــد الـديني، فالأمــراء هـم مـن يقــررون ديـانة أراضــيهم “كاثوليكيــة، لـوثـرية، كالفينيـــة”. وأعتقــد أن فـي هـذا تعــارض مـن بيـن أقــرار الأمــراء وحـرية المعتقـــد للشـــعوب.
وأعتقــد أن أتفــاق وســــتفاليا هـو جـوهـر القــانون الـدولـي الآن، لذلــك أعتقـــد أن الخطـــأ “العيــب” ليــس فـي المعتقـــد، أنمـا فـي القائمــين عـلي تفســيره وتطبيقـــه.
هكـــذا تحولـــت أوروبـــا الـي جغـرافيـا متعــددة الطوائـــف، ولكــل قطــر كنيســته الوطنيـــة. وتـم صــناعة مبــدأ التســامح الديــني، كضــرورة لحفــظ الســلام.
وهـذا مـا حـدث فـي الحـرب الأهليــة الأمريكيـــة، الشــائع أو المعــلن أنهـا ليســت للأنقســام الديـني. بـل حـول قضــية العبــودية والحقــوق الأقتصــادية والسـياسـية. العبــودية لا تحتــاج الـي أختــلاف، أمـا أن تبــرر دينيـــا، أو ترفـــض. المنطقــي أن الرســالات الســماوية كـافة وحـتي الديـانـات الوضــعية، تـرفـض العبــودية فالأنســان حــر، لـه حقــوق وعليـه واجبـــات، ولا يحــق لأنســان أن يســتعبد أنســان آخــر، ســواء بشــكل قســري أو طـوعـي. تـم ألصــاق الصـراع عـلي العبــودية الـي صــراع دينــي، وهـو ليـس بديـني. أنمـا الصــراع الحقيقــي والمســتتر عـلي السـياسـة والأقتصــادي.
ولكـي يتـم حســم هـذا الصــراع، كـان لأبــد مـن العــودة الـي النصــوص الدينيـــة، المحــددة لقــواعد الخــراج والعـلاقـات المتبــادلة بيـن المقاطعــات وبعضــها البعــض “ما يسـمي اليـوم بالدبلوماســية”، مـع مـراعـاة القـواعـد الأخلاقيــة فـي أرســاء العــدل والحـق وأزالـة الظـلم حـال وقـوعـه وغــيرها. لـذا تـم تبنــي الكلفينيــة كأطــار رســني لأعـادة بنــاء الـدولة، عـلي أســس قانونيـــة أتحـادية، وتـم تعــديل الدســتور الأمريكــي، وأجــراء أصــلاحات أجتمـاعية وسـياسـية. عـلي أعتبــار أن الكلفينيـــة تشـابه المبــادئ الأخلاقيــــة، مثــل الأجتهــاد، المســئولية الفــردية، التفســير الـذاتـي للنصــوص. ممـا ســاعد لاحقـــا فـي تخفيــف التـوترات العقـائدية والأجتمـاعية والثقــافية. وقـد ســاعد فـي ذلــك أن الفكــر الكلفينــي، كـان متغلغــل فـي الضــمير الأمريكـــي، وهــذا منطقـــي فالجميــع مهــاجرين مـن أوروبــا. وهكــذا صــارت الكلفينيـــة الأرضــية الفكــرية والأخلاقيـــة المشــتركة، التـي ســاعدت فـي بنــاء الهـوية الأمريكيـــة، وســمحت بالتعـايش الســلمي بيـن أطيــاف عقـائدية وثقـافيـة مختلفـــة.
لـم تكتـــفي ذات العمــاد “غـرب الأطلســي”، بـأرســـاء قـواعـد المبــادئ الكلفينيـــة قطــريا. بـل ســـعت الـي ترســيخها عالميـــا، دون مـراعـاة للمــلل والطوائــف والثقــافة والعـادات والتقاليــد وغــيرها. فكــان لهــا القطــبية الواحـدة خـلال العقــود القليــلة الماضــية، لكـن الأختــلاف ســنة كونيـــة، واليــوم هنــاك أقطــاب آخــري رافضــة لأحـادية القطـبية.
وهنــاك العـديد مـن الكـتب والدراســات عـن قيــام وأنهـيار الأمـبراطوريـات عـبر التــاريخ، ومنهــا “قصـــة الحضــارة” تأليــف ول وأيـريل ديورانـــت. وهنــاك دراســة قـام بهـا ريتشــارد بلانتــون – قســم الأنثروبولوجيـــا – كليــة الأداب جامعــة بيــردو، ووجــد أن أنهــيار المجتمعــات القديمــة. بســبب قــادة نقضــوا العقـــد الأجتمــاعي، وفقــد المواطــنين الثقـــة فـي المؤسســات الحاكمــة. بســبب أنهــيار القيــم الأخلاقيـــة، وأنتشـــار الظـلم والفســـاد
وكذلــك كتــابات مونتســـيكو عـن أنهــيار الأمـبراطوريـة الرومانيـــة، وأخــيرا بحـــث الدكتـــور لـوك كيمــب مـن جامعــة كمبــريدج “ضــمن مـركـز دراســـة المخـاطـر الـوجـودية”. والـذي أســتعرض فـي بحثـــه أنهــيار 400 حضــارة عـلي مـدي 5000 ســنة. والســبب كـان الظـلم “عـدم المســاواة”، والفجــوة بيـن النخبــة الحاكمــة والعـامة. فعنــدما تغــرق المجتمعــات فـي التحـكم القهــري، وعـدم العـدالـة تصــبح هشـــة. وتنهـــار بشــكل ســريع، وليـس تدريجــيا عـند مواجهـــة الصـدمات المفاجئـــة.
أنكــار الـواقـع المثبـــت والمـوثق، أيســمي جريمــة أم تضــليل؟. الـذرائع الكـاذبة والمكــذوبة حــجج زائفـــة، فعــند ســـقوط الحجـــاب تبـــدو العـــوارات. والبصـــر قـد يــري أو لايــري وفـق الأهـــواء، أمـا البصــيرة تـري دون الحـاجـة الـي البصــــر.
أكتفـــي بهـذا القـــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القــادمة أن شــاء الله تبــارك وتعــالي.
خـالـد عـبد الصــمد.
أضف تعليق