الــوعـي والكينــونة والـزمـان.
الفلســـفة أم العلــوم فـي القـــدم، والفيلســوف النـاكـر للغيــب لا يقــوي عـلي تدليـــل نظــريته، لأفتقــارة اليقيــن. العقــل لـه أمكانيــات محــدودة، وغالبـــا نـافـذتهـا البصـــر. أمـا القلــب لـه أمكانيـــات أوســع، وغالبــا نـافـذتهـا البصــيرة. قــد يكــون الفيلســوف عــلي حـافـة الحقيقـــة، لكــن أنكــاره للغيــب واليقيـــن، يجعـــل بينــه وبيــن الحقيقـــة بــرزخ لا يمكــن عــبوره. حـاجـز غــير مـرئي، يمكــن الـرؤيـة مـن خـلالـه، لكــن لا يمكنــه تجــاوزه، الا أذا أيقـــن أو أدرك.
وهنــا أتطــرق للفيلســوف مـارتـن هـايـدغــر، ويعـد أحـد الآبــاء المؤسســين للفكــر الـوجـودي. بالـرغـم مـن نشـــاة هـايـدغــر فـي بيئـــة كاثوليكيـــة محافظــة، درس اللاهــوت وكـان يطمــح أن يصــبح قســــا. لكنــه تـرك اللاهــوت وتحــول الـي الفلســفة، تحــت تآثيـــر الفينـومينـولوجيــا عـند هوســرل. بمعنــي أنـه نشـــأ مســـيحيا، لكنــه أنفصــل فكــريا عـن ما يســمي بالأيمــان الديــني التقليـــدي. لـم يكــن ملحـــدا، ولـم يكـــن مؤمنـــا، أســـتحب البرزخيـــة بينهمــا.
رفـض وصــفه بالـوجـودي، بعــد تبــني ســارتر وآخـرين، هــذا المصــطلح بمعــني إلحـادي أو فــرداني. معــللا أن الـوجـودية تســئ لفهــم مشـــروعه، والـذي كـــان يـريـد بـه العــودة الـي ســؤال الـوجـود نفســه. لا فقــط الكـائن البشــري، لذلــك أعتبــره البعــض أنـه فيلســـوف ما قبــل وجــودي، أو مـا يســمي بالـوجـودي المتعــالي.
كـان مصــطلح الـدازايـن (Dasein) مـن المفـاهيـم المـركـزية فـي فلســفته، وهـو يعــني لغــويا فـي الألمانيـــة Da بمعــني هنــاك، و sein بمعـني الـوجـود. والترجمــة الحرفيـــة لهــا الـوجـود هنــاك أو تجــاوزا الـوجــود فـي العــالم.
وكــان يقصــد بهـا الكـائن البشـــري، ليـس بوصــفه بيـولوجيــا. بـل بوصــفه الكـائن الوحيــد، الـذي يســـأل عـن معــني وجــوده، متجــاهلا بذلــك مخـلوقـات آخــري عـاقـلة، لكنهـــا ليســت فـي الـواقـع المــادي. فالـدازايـن هـو الـوجـود الأنســاني مـن الـداخــل، متجــاهلا النفــس المحــرك للمـادية، والـوعـي المتمثــل النــور “الـروح”. بمعــني أن الـدازايـن هـو أنـا وأنــت، لكــن عــند التوقـــف عـن العيــش عـلي التيــار التلقـــائي. وقـد تــأثر هـايـدغـر بمجمــوعة واســعة مـن الفلاســفة، وحـاول مـزج فلســـفاتهم لأخــراج نظــرية جـديدة أكــثر واقعيـــة وحـداثـة. لكــني أعتقـــد أنـه خلطهـــا بـدون أمــتزاج، لتنـــافر بعـض معطيــاتها مـع بعضــها البعــض. وكانـــت النتيجــة الخــروج بســـؤال بـلا أجـابـة وهـو ماهيـــة الكينــونة؟.
ومـن الفلســفات التـي تـأثـر هـايـدغـر بهـا الفينـومينـولوجيــا لإدمـونـد هـوســرل وهـو أســتاذه، والفينـومينـولوجيـا هـي محــاولة فهـم كيفيـــة ظهــور الأشــياء فـي وعـي الأنســـان، أو كيفيـــة أدراك الأنســان للعـالـم مـن حـولـه. مـن خــلال تجــربته الذاتيـــة المباشــرة، دون الأعتمــاد عـلي التفســيرات أو الأفتراضــات الســابقة “أهمــال التأريخيــة وهـي أصــيلة فـي الأنســان كجــزء أسـاسـي غـير ملمـوس فـي الشــيفره الوراثيــة”.
فـي تقـــديري أن هـايـدغـر قـد تـأثـر بالفلســفة الـوجـودية، كســورين كـيركيغــارد وفـريـدريـك نيتشـــه، مـع عـدم أقــراره ســواء بالغـــياب أو الأنكــار، فكانـــت آرائـه كالمـوجـات تتحــرك حـول محــور، بشـــكل غــير منتظــم، بـلا ذروة وبـلا منحــني منتظــم للصــعود أو الهبــوط. وآري أنـه تـأثـر فالفلســفة الأغريقيـــة القديمـة، كـأفـلاطـون وأرســـطو.
كمـا بـدا لـي أنـه تـأثـر بالميتـــافيزيـا، مـا وراء الطــبيعة، بمعــني البحــث فـي الأمــور التـي تتجــاوز العـالـم المـادي الحســي. دون أن يبحـــث عـن اليقـــين، ودون رفــض مباشـــر للأيمــان.
كمـا تـأثـر بالظـاهراتولوجيـــا، وهـي محـاولـة أدراك واقـع الأنســان. مـن خــلال وعيــه وتجربتــه الشــخصية. وأخــيرا تـأثـر هـايـدغـر باللاهــوت المســيحي، وهـذا التـأثـر دون يقيــن ودون أيمــان. ممـا جعــل الـرؤيـة عنـد هـايـدغـر غـير واضــحة، يعتليهــا الضــبابية دون أدراك منـه.

كتــاب الكينــونه والـزمـان، لا يعطــي أجـابـات، بـل يتطلــب مواجهــة النفــس للحصــول عـلي الأجـابـات. لكــن للأســف هـذه المواجهـــة بـلا ضــوابط حاكمـــة “منهــج وتكليـــف”، وهــذا فـي تقــديري مـا يعكــس الضــبابية فـي أفكــار هـايـدغـر. هـايـدغـر لـم يـدرك اليقيـــن، فتــرك أنســان حســـب الأنتمــاء الدينـي مـن عـدمـه، للحصــول عـلي الأجـوبة. وهنــا الضــبابية بعينهـــا، فالأزدواجيـــة فـي مســاواة النــور والظــلام بــؤرة الضــبابية، فالنفـس أو الكينــونه منـهــا الأمــارة بالســوء، ومنهــا اللـوامـة، والقليــل منهــا المطمئنــة وهـي أعـلي الدرجــات.
وأفكــار الكتــاب الأسـاسـية عـلي النحــو التــالي:-
– الكــائن البشــري (الـدازايـن)، عـلي أعتبــار أن الأنســان هـو الكـائن الوحيــد القــادر عـلي أدراك وجــوده والتســاؤل عنــه. وعليــه فـأن الأنســان ليـس مجــرد شــئ مـوجـود، بـل لـه طريقــه فـي الـوجـود. فـي تقــديري أن هـذا مفهــوم قـد يكـون قاصـــر، فكـافة الكائنــات لهـا وجــود، ولهــا آثــر، لكـن هـذا الـوجـود وفـق لمـا خلقــت لـه هـذه المخلوقـات. والأنسـان قاصــر فـي أدرك نفســه، فمـن المـؤكـد أنـه يعجــز عـن أدرك الآخــرين. وهـذا يتضــح مـن تـدبـر قـول الله تبــارك وتعــالي، أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى. ســورة القيــامة 36 – وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. ســورة الأنعــام.
– الـوجـود فـي العـالـم، الأنســان لا يـوجـد ككــائن منعــزل “أنطـــوائي”، بـل دائمــا فـي عـلاقـة مـع العـالـم. عـلي أعتبـــار أن العـالـم ليـس مجــرد مجمـوعـة أشــياء خارجيــة، فالعـالـم شــبكة مـن المعــاني التـي يعيشــها الأنســـان. وهنــا يظهــر أنكــار هـايدغـر لماهيــة النـاس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. ســورة الحجـرات 13)، بشــرط أكتمــال الـوعـي الفطـري الســليم. فلكــل فــرد هويتــه المســتقله، فلا يـذوب فـي الآخــرين بشــكل مطــلق فيفقــد هـويتــه (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا. ســورة الأســراء).
– الزمانيـــــة، قـال هـايدغـر أن الكينــونة لا تفهـم الا مـن خـلال الـزمـن، فالماضـي والحاضـر والمســتقبل ليـس عـلاقـة خطـية. بـل تداخـل فـي خوارزميـــات معقـدة مـن تجـارب وذكـريات الماضـي، والتفـاعـل مـع الجـاري مـن أحـداث، والتخطـيط لمـا ســيكون فـي المســتقبل مـن آمـال وأحـلام. فأدوات الـزمـن مـا هـي الا وســيلة أو أداة للقيـاس، أنمـا الـزمـن خوارزميــة معقــدة ينــدمج فيهــا الماضـي والحاضـر والمســتقبل. ولغيــاب اليقيــن عـند هـايدغـر، وقــف عـلي حـافـة الحقيقــة، دون أن يجــرؤ عـلي أقتحــام الحقيقـــة عـبر اليقيــن أو اليميــن. فـي تقــديري أن هـايدغـر لـم يثــق بـآرائه فـي المــادة، ولـم يتخــلص مـن مـاديتـه ليتــرفع عـن المـاديـة، بالأيمــان واليقيــن بالغيــب والماورائيـــات. وهـذا قـد يتضــح فـي تـدبر كلمـات الله تبــارك وتعــالي (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا. ســورة الكهــف) والحديـث القدسـي (قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يُؤْذِينِي ابنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهْرُ، بيَدِي الأمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. الــراوي: أبـو هـريـرة والمحـدث: البخــاري والمصـدر: صــحيح البخــاري وخلاصــة حكــم المحــدث: صــحيح).
– الـوجـود الأصــيل والـوجـود الـزائـــف، وقـال هـايـدغـر أن الـوجـود الأصــيل أن يـواجـه الأنســان نفســه بصــدق، يقــرر بحــرية مـع أســتحضار الـوعـي بالمــوت. أمـا الـوجـود الـزائــف هـو أتبــاع الآخــرين، والهـروب مـن المســئوليات والواجبــات والحقــوق. يبـــدو لـي أن هـايـدغـر أصــطدم بالحقيقـــة، دون أن يـدرك أنهـا الحقيقـــة. قـد يكــون جهــلا بالغــيب، أو تمــرد عـلي النفـس الأمـارة بالســوء.
وهـذا قـد يتضــح فـي تـدبر كلمـات الله تبــارك وتعــالي:
وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. ســورة الكهــف.
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. ســورة آل عمـران 185.
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا. ســورة النســاء 78.
وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا. ســورة الأســراء.
وكذلــك مـن تـدبـر أحاديــث الرســول محمــد صــلي الله عليـه وســلم:
لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا .
الــراوي: حذيفــة بـن اليمــان والمحـدث: التـرمـذي والمصــدر: ســنن التـرمــذي وخلاصــة حكـم المحــدث: حسـن غـريــب لا نعــرفه إلا مـن هـذا الـوجــه.
مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صاحِبِ المِسْكِ وكِيرِ الحَدَّادِ؛ لا يَعْدَمُكَ مِن صاحِبِ المِسْكِ إمَّا تَشْتَرِيهِ أوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أوْ ثَوْبَكَ، أوْ تَجِدُ منه رِيحًا خَبِيثَةً.
الــراوي: أبـو مـوسـى الأشــعري والمحـدث: البخــاري والمصــدر: صـحيح البخــاري وخلاصــة حكـم المحــدث: صــحيح.
– المـوت كمفتــاح للكينــونة، قـال هـايـدغـر أن المـوت هـو الحقيقــة المؤكـدة. والـوعـي مرتبــط بالمـوت، مما يحـث الأنسـان عـلي الأعمـال الصـالحة وبمسـئولية واعيــة. فالمـوت يحـث الأنســلن عـلي العيـش بصــدق، وفـي المـوت لا يتحمـل أحـد عـن آخــر شــيئا. فـي تقــديري أن هـايـدغـر أصــطدم بالحقيقـــة مجــددا، دون أن يـدرك أنهـا الحقيقـــة. وقـد يكــون هـذا جهــلا بالغــيب، أو تمــرد عـلي النفـس الأمـارة بالســوء.
– القــلق، قـال هـايدغـر أنـه الحــالة التـي يواجـه فيهــا الأنســان عدميــة المعــني والفــراغ. والقــلق يكشــف للأنســان أن ما يحيـــط بـه غـير ثابـــت، لــذا يجــب أختيــار كــيف يكــون، وهـذه الحـالة تـؤدي الـي أكتشــاف الكينــونة. ويبــدو لـي أن هــذا أخفــاق آخــر لهـايـدغـر لأبتعــاده عـن الغيــب وأقــراره بالنفـس الأمـارة بالســوء، فغــايته النفـس اللـوامـة وليـس المطمئنـــة.
وهـذا قـد يتضــح الـرد عـلي القــلق و المـوت كمفتــاح للكينــونة فـي تـدبر كلمـات الله تبــارك وتعــالي:
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. ســورة آل عمـران 14.
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. ســورة الحـديد 20.
ومـن تـدبـر حديــث الرســول محمــد صــلي الله عليــه وســلم:
مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا، ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عليه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا. الــراوي: أبـو هـريـرة والمحــدث: مســلم والمصــدر: صــحيح مســلم وخلاصــة حكــم المحــدث: صــحيح.

قـد يكــون الكتــاب مفيـــد، رغـم صــعوبته فـي المحتـــوي. الكتــاب مفيـــد للقــارئ الـواعـي اليقـــظ، كمحفـــز لليقــين والأيمــان بالغــيب.
قـد تكــون الهـويـة والكينــونة هـي تمــييز الأنســان عـن ســائر المخلــوقات، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا. ســورة الأســراء 70.
والهـويـة والكينــونة فـي ســـبيل الرشـــاد، يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ. ســورة غـافـر 29 – وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ. ســورة غـافـر 38.
والهـوية والكينــونة تاريخيــة، تبــدأ مـن عالـم الـــذر، إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا. ســورة الأحـزاب 72، وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ. ســورة الأعـراف 172.
لـذا يجــب عـلي الأنســان الســعي خلـف هويتــه وكينــونته بالتقــرب مـن خالقـــه، قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. ســورة الجمعـة 8 – وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. ســورة الحشــر 19 – الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. ســورة التـوبة 67 – وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ. ســورة النـور 39 – يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ. ســورة الـروم.

وأختتـم بحديــث رســول الله صـلي الله عليـه وســلم، والـذي يحــث فيـه النـاس عـلي الأيمــان واليقيــن.
كنتُ معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في سفَرٍ ، فأصبَحتُ يومًا قريبًا منهُ ونحنُ نَسيرُ ، فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ أخبرني بعمَلٍ يُدخِلُني الجنَّةَ ويباعِدُني من النَّارِ ، قالَ : لقد سألتَني عَن عظيمٍ ، وإنَّهُ ليسيرٌ على من يسَّرَهُ اللَّهُ علَيهِ ، تعبدُ اللَّهَ ولا تشرِكْ بِهِ شيئًا ، وتُقيمُ الصَّلاةَ ، وتُؤتي الزَّكاةَ ، وتصومُ رمضانَ ، وتحجُّ البيتَ ، ثمَّ قالَ : ألا أدلُّكَ على أبوابِ الخيرِ : الصَّومُ جُنَّةٌ ، والصَّدَقةُ تُطفي الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ ، وصلاةُ الرَّجلِ من جوفِ اللَّيلِ قالَ : ثمَّ تلا تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ، حتَّى بلغَ يَعْمَلُونَ ، ثمَّ قالَ : ألا أخبرُكَ بِرَأسِ الأَمرِ كلِّهِ وعمودِهِ ، وذِروةِ سَنامِهِ ؟ قلتُ : بلى يا رسولَ اللَّهِ ، قالَ : رأسُ الأمرِ الإسلامُ ، وعمودُهُ الصَّلاةُ ، وذروةُ سَنامِهِ الجِهادُ ، ثمَّ قالَ : ألا أخبرُكَ بملاكِ ذلِكَ كلِّهِ ؟ قُلتُ : بلَى يا رسولَ اللَّهِ ، قال : فأخذَ بلِسانِهِ قالَ : كُفَّ عليكَ هذا ، فقُلتُ : يا نبيَّ اللَّهِ ، وإنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فقالَ : ثَكِلَتكَ أمُّكَ يا معاذُ ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مَناخرِهِم إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم .
الــراوي: معــاذ بـن جبــل والمحــدث: الألبــاني والمصــدر: صـحيح التـرمـذي وخلاصــة حكـم المحــدث: صــحيح.
خـالــد عـبد الصـــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ