الــوعـي والتـوقـع والغيـــب “الجــزء الأول”:-
فـي ظـل الظــروف الأســتثنائية التـي يمـر بهـا العـالـم عـامـة، والتـي تمــر بهـا المنطقــة العربيـة خاصـــة. خـرج البعـض بســرديات ومـرويـات عـن نهـاية الـزمـان، ومنهــا أحاديــث عـن رســول الله صــلي الله عليـه وســلم. والأحاديــث بعضــها ضــعيف وبعضــها منكــــر، تـم الأعتمــاد عـلي أحاديــث مـن كتــاب الفتــن لنعيـم بن حمـــاد. والبعـض الآخـر خـرج بأحاديــث تعكـس أن يـوم القيــامة بعـد 50 ســـنة مـن الآن. بعـض هـذه الأحاديــث قـد تتعــارض مـع مـا جـاء فـي كتــاب الله تبــارك وتعــالي، كمــا تتعــارض مـع الثابـــت مـن العـلوم ومـع المنطـــق. لـذا لا داعــي للتـدليـل بهــا، الغيــب المطــلق أســتأثر الله ســبحانه وتعـالي بعلمــه. وهـذه بعــض الآيــات القرآنيـــة التـي تجــلي ذلــك:
وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ. ســورة الأنعـام 59.
قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. ســورة النمــل 65.
إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. ســورة لقمـان 34.
مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. ســورة آل عمــران.
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. ســورة هـود 123.

يجــب أدراك الفــارق بيـن الغيــب والتـوقـع، وبيــن الغيــب المطــلق والغيـب النســبي. الغيــب المطــلق لله تبــارك وتعــالي، أمـا التـوقـع هـو أســتنتاج لمعــلومات أو أحــداث مســـتقبلية بنـــاء عـلى أســباب “معطيـــات” وظـواهــر “آيــات أو أشــراط”، قـد تكــون ظهــرت مـن قبـــل ولـو فـي الماضــي القريــب.
والغيــب النســبي فقــد يعلمــه بعـض الخــلق مـن الملائكـــة، والرســل بـوحـي الله تعـــالى لهــم، وقـد يسـمعه بعـض الجــن المســترقين للسـمع عنـدما تتحـدث الملائكــة بـه (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا . ســورة الجـن 9)، وقــد قــال الله تبــارك وتعالى فـي ســورة الجــن مـا يعكـس الغيــب المطــلق والغيــب النســبي (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا). وهـذا مـا كـان أيضــا فـي ســورة الكهــف مـع العبــد الصــالح الـذي آتـاه الله ســبحانه وتعــالي مـن لـدنه علمـــا “العـلوم اللدنيـــة”.
التــوقع ليـس غيــب نســبي أو مطــلق، لكــونه قـد يحــدث أو الا يحــدث.
والغيــب النســبي يتـم التدليــل عليــه مـن واقــع العـديد مـن الأحاديــث النبــوية ومنهــا عـلي ســبيل المثــال:
أنَّهَا سَمِعَتْ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنَّ المَلَائِكَةَ تَنْزِلُ في العَنَانِ -وهو السَّحَابُ- فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ في السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ، فَتُوحِيهِ إلى الكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ معهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ مِن عِندِ أنْفُسِهِمْ.
الـراوي: عائشـة أم المؤمنيــن والمحــدث: البخــاري والمصــدر: صــحيح البخــاري وخلاصـة حكــم المحــدث: صــحيح.
سَأَلَ أُنَاسٌ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَنِ الكُهَّانِ؟ فَقالَ لهمْ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: لَيْسُوا بشيءٍ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فإنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا الشَّيْءَ يَكونُ حَقًّا، قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: تِلكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحق يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا في أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِن مِئَةِ كَذْبَةٍ.
الـراوي: عائشـة أم المؤمنيــن والمحــدث: مســلم والمصــدر: صــحيح مســلم وخلاصــة حكـم المحــدث: صــحيح.
أخبرني رجالٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الأنصارِ قال : بينما هم جلوسٌ ليلةً مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ رُمِي بنجمٍ فاستنار ، فقال لهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ما كنتم تقولون في الجاهليَّةِ إذا رُمِي بمثلِ هذا ؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلمُ ، كنَّا نقولُ : وُلِد اللَّيلةَ رجلٌ عظيمٌ ، ومات اللَّيلةَ رجلٌ عظيمٌ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : فإنَّها لا يُرمَى بها لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه ، ولكنَّ ربَّنا إذا قضَى أمرًا سبَّحته حملةُ العرشِ ثمَّ سبَّحته أهلُ السَّماءِ الَّذين يلونهم ، ثمَّ سبَّحته أهلُ السَّماءِ الَّذين يلونهم حتَّى يبلغَ التَّسبيحُ أهلَ السَّماءِ الدُّنيا ، ثمَّ يقولون الَّذين يلون حملةَ العرشِ لحملةِ العرشِ : ماذا قال ربُّكم ؟ فيُجيبونهم ، فيستخبرُ أهلُ السَّماواتِ بعضُهم بعضًا حتَّى يبلغَ الخبرُ هذه السَّماءَ الدُّنيا ، فتخطِفُ الجنُّ السَّمعَ فيُلقونه إلى أوليائِهم ، فما جاءوا به على وجهِه فهو صحيحٌ, ولكنَّهم يُفرِّقون فيه ويزيدون فتُرمَى الشَّياطينُ بالنُّجومِ.
الــراوي: رجــال مـن الصـحابة الأنصــار والمحــدث: أبو نعيــم والمصــدر: حليــة الأوليــاء وخلاصــة حكــم المحــدث: صــحيح.


الله ســبحانه وتعــالي أعطـي رســوله صـلي الله عليـه وســلم أشــراط الســاعة، فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ. ســورة محمــد 18. وأشــراط الســاعة هـي العـلامـات والأشــارات والآيـات الســابقة لهـا، وفـي ســورة طـه قـال الله تبــارك وتعــالي أكـاد أخفيهـــا، وهـذا دلالـة عـلي أشــراط ســابقة لهـا كـدلالـة عليهـــا، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ. ســورة طـه 15.
وعـن أقتــراب الســاعة قــال الله تبـارك وتعـالي، اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ. ســورة القمــر 1. يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا. ســورة الأحـزاب 63. يسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (43) إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا. ســورة النـازعـات.

أحاديــث الرســول صــلي الله عليـه وسـلم، عـن عـلامـات السـاعة وأحـداث نهــاية الـزمـان كــثيرة جـدا. وأجتهــد العلمــاء قديمـا وحديثــا فـي محــاولات ترتيبهـــا، ووضــع تسـلسـل منطقــي لهــا. لكـن هـذا فـي منتهــي الصــعوبة، لتشــابك الأحـداث قديمــا، وتســارع الأحــداث فـي الوقــت الـراهـن.
وهــذا حديــث عـن الرســول صــلي الله عليـه وســلم ينبـــأ بالغيــب، بعضــها تحــقق بالفعــل، ولـم يتبـقي منـه الا الـدجـال. الترتيــب والتسـلسـل لا يتفــق مـع المنطــق فـي عهــد النـبي صــلي الله عليــه وســلم، لكــن بشــري النبـي صـلي الله عليـه وسـلم حدثــت بنفـس الترتيــب والتسـلســل.
كُنَّا مع رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في غَزْوَةٍ، قالَ: فأتَى النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قَوْمٌ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، عليهم ثِيَابُ الصُّوفِ، فَوَافَقُوهُ عِنْدَ أَكَمَةٍ، فإنَّهُمْ لَقِيَامٌ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قَاعِدٌ، قالَ: فَقالَتْ لي نَفْسِي: ائْتِهِمْ فَقُمْ بيْنَهُمْ وبيْنَهُ؛ لا يَغْتَالُونَهُ، قالَ: ثُمَّ قُلتُ: لَعَلَّهُ نَجِيٌّ معهُمْ، فأتَيْتُهُمْ فَقُمْتُ بيْنَهُمْ وبيْنَهُ، قالَ: فَحَفِظْتُ منه أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ أَعُدُّهُنَّ في يَدِي، قالَ: تَغْزُونَ جَزِيرَةَ العَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ. قالَ: فَقالَ نَافِعٌ: يا جَابِرُ، لا نَرَى الدَّجَّالَ يَخْرُجُ حتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ.
الــراوي: نـافـع بـن عتبــة بـن أبـي وقــاص والمحــدث: مســلم والمصــدر: صـحيح مســلم وخلاصــة حكــم المحــدث : صــحيح.
ومـن تـدبـر الحديــث قـد يتضــح أن الـدجـال ليـس دولـة أو أمبــراطورية (لا جغـرافيـا لـه، علمـا بـأنـه ســيخرج مـن فـارس “أصــفهان”)، الـدجـال فكــر يجتمــع حـولـه النـاس مـن العــديد مـن الأقطــار، فهــو فكــر عـابـر للأقطــار والقــارات. وآري أن هـذا الفكــر قـد ظهــر بالفعـــل، لكـن فـي أنتظـــار مـن يعــلن نفســه زعيمـــا لـه. ومـن واقـع التـدبر أيضــا يخــرج ســـؤال، هــل هنــاك عـلاقـة مباشــرة أو غـير مباشــرة بيـن الـدجـال والــروم فهــو التــالي بعــد فتــح الــروم؟.
أكتفــي بهــذا القــدر ونكمــل فـي الأجــزاء القـادمـة أن شـــاء الله ســبحانه وتعــالي.
خـالـد عـبد الصــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ