
مراثي الحرف:
مرثية المعنى في زمن الحرف
لم تكن الكتابة يومًا أختيارا
كانت قدرا يسكن في خاصرة الروح
كأن الحرف ولد قبل أن يولد الزمن
وكأن الجملة الأولى
كانت صرخة في وجه العدم
كلما هممت بالكتابة
شعرت أنني لا أكتب
بل أُستدعى
كمن ينادى من خلف الغيب
ليُترجم وجعا لا يقال
وحلما لا يفسر
الورق لا ينتظرني
هو يعرفني قبل أن أمد يدي
يشعر بي حين أرتجف
ويفتح صدره كأمّ
تستقبل أبنها العائد من حرب لم يخضها
الحبر ليس سائلًا
إنه ذاكرة
تنساب من قلبي
وتتشكّل على هيئة كلمات
تحمل وجوها
وأصواتا
وأرواحا
لم أعرفها
لكنني أحببتها حين كتبتها
كل جملة أكتبها
هي مرثية لشيءٍ فقدته
أو نداءٌ لشيءٍ لم ألقاه
أو محاولة أخيرة
لأن أكون أنا
دون أن أختبئ خلف اللغة
الكتابة ليست خلاصا
بل أحتراق ناعم
يأكلني ببطء
ويتركني رمادا
أتناثر فوق السطور
كأنني معنىٌ يبحث عن جسد
وحين أنتهي من النص
لا أشعر بالأنتصار
بل بالخذلان
كأنني قلت كل شيء
ولم أقل شيئا
لكنني أعود
كل مرة
أعود إلى الورق
كمن يعود إلى حبيب لا يبادله الحب
لكنّه لا يعرف كيف يعيش بدون
أنا الكاتب
أنا القارئ
أنا الحرف
أنا الغياب الذي يكتب نفسه
كي لا ينساه أحد
محمدنورالدين:
أضف تعليق