
وطن في القلب:
في عتمة الوقت، حين تتوارى الأصوات،
ويغدو الحنين ضيفا لا يغادر،
أجلس على ضفاف الذكرى،
أرتق ما تمزق من لحظات كانت لي وطنا،
وأستجدي من الغياب تفسيرا لا يأتي.
كل شيء حولي ساكن،
لكن قلبي يضج بنداءات لا تسمع،
كأنك ما زلت هنا،
تسكنين تفاصيل الصمت،
وتنثرين من حضورك عبقا لا يزول.
أيتها التي غادرت دون وداع،
هل تعلمين كم من العمر تكسر بعدك؟
كم من حلم أنطفأ،
وكم من ضوء تاه في متاهات الغياب؟
كنت لي أكثر من ظل،
أكثر من دفء،
كنت المعنى حين ضاعت المعاني،
والنبض حين خفتت الأصوات.
ما زلت أراك في كل شيء،
في أرتجافة النسيم،
في أرتباك الغروب،
في أرتحال الطيور نحو المجهول.
أبحث عنك في الكتب،
في القصائد،
في وجوه العابرين،
لكن لا أحد يشبهك،
لا أحد يحمل في عينيه ذلك الصفاء،
ولا في صوته ذلك السلام.
أي حب هذا الذي لا يذبل؟
أي غياب هذا الذي لا ينسى؟
كأنك خلقت من نور لا يخبو،
ومن طهر لا يمس،
ومن حنين لا يطفأ.
أكتبك الآن،
لا لأستعيدك،
بل لأحفظك من النسيان،
لاجعلك قصيدة لا تنتهي،
وصلاة لا تغلق أبوابها.
فيا غيابا، كن رحيما،
دع لي من طيفها ما يكفيني لأحيا،
دع لي من صوتها ما يوقظني من وجعي،
دع لي من أثرها ما ينبت في قلبي رجاء لا يموت.
وغدا، حين يجيء الصباح،
سأفتح نافذتي على الأمل،
وأدع الشمس تدخل،
لا لتضيء الغرفة،
بل لتوقظ في داخلي ما نام،
ولتقول لي:
أن من أحببت،
ما زالت تسكنني،
كأنها دعاء لا ينقطع،
وكأنها شمس لا تغيب.
حين يهمس الغياب:
ها أنا أعود إلى صمتي،
لا لأهرب: بل لأصغي لما تبقى منك في داخلي.
فكل نبضة تحمل أسمك،
وكل أرتجافة في صدري،
تعيد رسم ملامحك على جدار الروح.
كم من مرة حاولت أن أنسى،
لكن الذاكرة لا تطيع،
كأنك محفورة في تفاصيل الزمن،
كأنك نغمة لا تنتهي،
كأنك دعاء لا يغلق بابه.
أيتها الغائبة الحاضرة،
ما زلت تسكنينني كما يسكن الضوء المدى،
لا يرى، لكنه يشعر،
لا يلمس، لكنه يحيي.
أكتبك الآن،
لا لأستعيدك،
بل لأحفظك من التلاشي،
لأجعلك قصيدة لا تنسى،
وصوتا لا يخفت،
وحلما لا يطفأ.
كل مساء يحملك إلى،
كل نجمة تهمس بأسمك،
كل نسمة تمر،
تشعل في القلب وهجا لا يطفأ.
أعلم أن الغياب لا يرحم،
وأن الفقد لا يداوى بالكلمات،
لكنني أؤمن أن الأرواح،
حين تصدق،
تلتقي في مدارات لا تراها العيون،
ولا تدركها المسافات.
فيا من كنت النور في عتمتي،
والسكون في ضجيجي،
واليقين في حيرتي،
سأظل أكتبك،
حتى يصبح الحرف مرآة لك،
وحتى يصبح الصمت صوتا ينطق بأسمك.
وغدا، حين يجيء الصباح،
لن أبحث عنك في الطرقات،
بل في داخلي،
في ذلك الركن الذي لم يمسه النسيان،
في ذلك الضوء الذي لا يخبو،
في ذلك الحب الذي لا يقاس بالزمن،
ولا يهزم بالغياب.
حين يسكن الغياب ويولد الرجاء:
وهكذا، بعد أن عبرت صحارى الفقد،
وتأملت خرائط الحنين،
أدركت أن الغياب لا يمحى،
لكنه يعلمنا كيف نحب بصمت،
وكيف نبقي من نحب حيا فينا،
ولو غاب عن العين،
فإن القلب لا يعرف المسافات.
لم يكن الحزن نهاية،
بل كان طريقا نحو النضج،
نحو فهم أعمق لما يعنيه الحب،
ولما يعنيه أن نبقي الأثر،
حتى حين يغيب صاحبه.
سأمضي، لا لأنني نسيت،
بل لأنني تعلمت أن أعيش بما تبقى،
أن أزرع من الذكرى بذورا للغد،
أن أضيء من الحنين شموعا لا تنطفئ.
فيا من كنت النور في عتمتي،
ستبقين في،
كأنك صلاة لا تنتهي،
وكأنك وطن لا يغادره القلب.
وغدا: حين يجيء الصباح،
لن أبحث عنك في الطرقات،
بل في داخلي،
حيث تسكنين،
كأنك المعنى الذي لا ينسى،
والأمل الذي لا يموت.
محمدنورالدين:
أضف تعليق