
اِعرف الحق ،تعرف اهله
يقول العالم الصوفي المغربي الفقيه سيدي( احمد زروق) :
” آلات العلم أربعة: عقل رجّاح، وشيخ فتّاح، وكتب صحاح، ومداومة وإلحاح. لأن العلوم إن لم تكن منك ومنها كنت بعيدا عنها، فمنك بلا منها جهل وضلال، ومنها بلا منك جمود وتقليد، ومنك ومنها تحقيق وصواب، ولذلك قيل: قف حيث وقفوا ثم فسر ثم قشر. ومن عرف الحق بالرجال أصبح في غاية الجهل والضلال، اعرف الحق تعرف أهله” .
هو”أبو الفضل شهاب الدين أبو العباس سيدي أحمد بن أحمد بن سيدي محمد الخضار بن عيسى البرنسي الفاسي “المعروف ب( زروق ) ولد بمنطقة جبالة قرب مدينة فاس ،المغرب سنة (846 هـ – 899 هـ) فقيه مالكي معروف له شروحات معتمدة عند المالكية، يعد من مصححي حركة مسيرة التصوف التي اعتبرها كحياة متكاملة وفق الكتاب والسنة،وقد شهد له المؤرخون كون منهجيته لها سبق الريادة .
عاش العالم العربي في السابق اِنتكاسة على أمواج صفحات تاريخه منها:الضعف ،الذل، الظلم ،الانكسار،القهر ،التفرقة، الخيانة، الغدر، والبَاس الشديد بينهم ،لم تشفع لهم في ذلك هوية وماض مشترك ،لا لغة ولا عقيدة،كل شيء تبخر مع هبوب اول رياح موسم الخريف وعليه أضحى الانبطاح هو العملة الرائجة والرابحة في ان واحد ، الامر الذي جعل ان الاجيال الحالية ،فضلا عن المستقبلية تضع علامة استفهام عما تداولته كتب التاريخ من مواصفات كالكرامة ،العزة والنخوة والتضامن والكِبرياء، لان الواقع المعاصر بَين وبشكل صريح ،بأن تلكم الصفات كانت مهزوزة منذ امد بعيد وأن جلها لم يعرف التنزيل على مَرٌِ صفحات التاريخ ، وحُق للاجيال ان تشكك في صِدقية مجموعة من المفاهيم التي استعصى تنزيلها على أرض الواقع .
فالمخاض الذي يعيشه العالم العربي منذ أواخر الألفية الثانية وبداية الثالثة ، يختلف بثاثا عن المخاض الطبيعي الذي يترتب عنه ، نتيجة بها من المصداقية والإيجابية تضع حدا لما قبله من أوضاع بها نوع من الريبة والتٌَدمر، كما انها عنصر اساس في تصحيح مسار وتكهنات ما قبله ، فبعد المخاض هناك ولادة جديدة ،هناك أمل يُصنع ،هناك تصحيح للتاريخ وتقويم للمواقف المُعوجة ، كما ان هناك توحيد لمجريات الأمور على خلاف السابق، وحُق للاجيال العربية المعاصرة ان تقول :
يا ليتنا متنا قبل هذا وكنا نَسيا منسيا، ما دامت الخيانة تسري في جسم العالم العربي مسرى الدم في العروق ،فالكرامة انتزعت من محيط معاملاته وعلاقات أسواقه ،وتَم اِبعاد كل ما له علاقة بالبحث العلمي ، ومن التوجه التكنولوجي .
يقول الدكتور مصطفى محمود :
“وإلى أن يولد الوعي من المخاض الأليم وإلى أن يولد الجيل الجديد من الإنسان الكامل .. إنسان العلم والإيمان..الإنسان القدوة..المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً.فإن الساحة ســوف تظـل مسـرحـاً للثورة والقتـل والانقلابات المتكـررة بـلا جدو جدوى. وانتظاراً لهذا اليوم أقول لكل واحد .. ابدا
بنفسك حاول أن تُصلح ذاتك بدلاً من أن تجلس على كرسي الفتاوى وتتهم الآخرين. „
العالم العربي ملزم ادبيا بان تكون لذيه الشجاعة الكافية في قول الحق ، في التعامل بمكوناته وأهدافه، وأن لا يلتزم الصمت عند محاولة الاِخلال به، اوالخروج عن نسقه،فضلا عن عدم الخوف من اقتحامه وتحويله،اعتبارا لكونه طاقة تحتاجها النفس البشرية حتى تنال التهذيب الضروري للاستمرار في مواجهة تعقيدات الحياة ، وللاشارة فكلمة الحق صفة مقدسة محمودة،وعليه لا يجوز انكارها او التساهل في التعامل معها .
لكن ما نلمسه ومنذ عقود، ونكادُ نُجزم عليه ، فاِن المفهوم السامي للحق في العلاقات الاجتماعية بداَ يخضع لتطاولات نزعت عنه القداسة القيمية التي كانت له في السابق، وعليه يمكن أن نقول بان الظروف حكمت على ان المؤمنين به ،والمستمعين الى أصواتهم، والراغبين في تنزيل محتواه على أرض الواقع الرافض له ،نبذهم الزمن ،واضحوا بذلك عملة غير قابلة للرواج، او الصرف ،اِلا قليلا .
يقول عثمان ابن عفان في رسالة لعماله على الخراج :
“ان الله خلق الخلق بالحق،فلا يقبل الا الحق، فخذوا الحق، وأعطوا الحق. والأمانة أمانة ، وقوموا عليها، ولا تكونوا اول من يسببها، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء،لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد ، فان الله خَصم لمن ظلمهم”
صفوة القول نؤكد بان العالم العربي عرف مفهوم الحق من خلال الرجال ، وبذلك كانت معرفته له بها زَيغ واختلال،فكان بذلك مجانبا للصواب والحقيقة كما يقول الصوفي سيدي ( احمد زروق) اِذ يجب اولا البحث عن كُنه الحق ، بمعنى اِدراك حقيقتَه وجوهره وغايتَه بعدها يكون الحق هو الآلية التي من خلالها يتمكن صاحبه من معرفة الرجال، وليس العكس .
فالحق كسلطة اخلاقية شَرعها المشرع قصد ممارستِه دَرءاََ لمنفعة وجلبا لمصلحة ذات طابع مادي أو اعتباري، هذا فضلا عن كون القانون يمنح صاحبه ضمانة في رفع دعوى قضائية من أجل حمايتة ،فالحق يعلو ولا يعلى عليه .
يقول محمود سامي البارودي:
يَا نَاصِرَ الْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ!
خذْ لي بحقي منْ يديْ ماصلي
جَارَ عَلَى ضَعْفِي بِسُلْطَانِهِ
وَمَا رَثَى لِلْمَدْمَعِ الْهَاطِلِ.
أجرجني عما حوتهُ يدي
مِنْ كَسْبِيَ الْحُرِّ بِلا نَاطِلِ
مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ، سِوَى مَنْطِقٍ
ذي رونقٍ،كالصارمِ القاطلِ
أتلو بهِ الحقَّ، وأرمي بهِ
نَحْرَ الْعِدَا فِيالرَّهَجِ السَّاطِل
فإنْ أكنْ جردتُ منْ ثروتي
فَفَضْلُ رَبِّي حَلْيَة ُ الْعَاطِلِ
الله غالب
عبدالسلام اضريف
أضف تعليق