

حياتنا والكتابة
بقلمي هدى عبده
لم تكن الكتابة حروفا،
بل يقظة في ليل لم يعرف النوم،
نبضة خرجت من قلب لم يخلق بعد،
كأن الوجود نفسه تلعثم حين حاول أن ينطقنا.
الكلمة ليست صوتا،
بل أثرٌ لخطوة عبرت من ضفة الغيب،
تبحث عن قارئ يؤمن أن الحرف لا يُقرأ،
بل يُنصت إليه من بين سطور الصمت.
الورق ليس مساحة للبياض،
إنه جلد الذاكرة،
تتكالب عليه الأرواح الهاربة من مراياها،
وتترك بصمتها مثل وشم لا يُمحى.
أما القلم،
فهو مجاز السيف،
يجرح ليطهر،
ويمحو ليخلق من جديد،
يمتد كوميضٍ في ظلامٍ قديم،
كأنه خيط فجر يشق صدر الغيب.
النقطة نهاية لمن لم يجرب البدايات،
والفاصلة تنفسُ الحرف بين موتين،
أما الجملة،
فهي قنديل في نفقٍ طويل،
يضيء للحائر طريقا نحو ذاته،
ثم ينطفئ كي يُنير من جديد.
الكتابة ليست فنا،
بل طقس عبور إلى عالم أعمق،
حيث لا يقاس الزمن بالساعات،
بل بالنبضات التي تتساقط من الروح.
الكاتب ليس مبدعا،
بل شاهدُ سر على ولادة المعنى،
يترجم ما لا يقال،
ويُصغي لما لا يُسمع،
كاهن الحرف،
يذبحُ على مذبح الورق جزءا من ذاته،
ليهب للحياةِ وجها جديدا.
حين تكتمل القصيدة،
تتنفس الأشياء حولها،
ويحدث في القلبِ اضطراب خفيف،
كأن الحقيقة اقتربت ثم خافت من أن ترى.
في لحظة ما،
يتحول الزمن إلى نفس واحد،
تتوقف العقارب عن الدوران،
ويصبح كل شيء سؤالا واحدا:
هل نكتب لأننا نعيش؟
أم نحيا لأن الحرف يريد أن يُولد فينا؟
الذات لا تُرى في المرايا،
بل في التصدعاتِ الصغيرةِ التي نخفيها،
في اللحظات التي نكف فيها عن الادعاء،
ونسمح للصدق أن يعرينا.
هي ليست ما نقوله عن أنفسنا،
بل ما نصمت عنهُ خوفاً وحنيناً،
هي ما يبقى بعد أن نغتسل من الأسماء،
ومن أدوار لم تكن لنا.
الذات تتنفس بالخذلان،
وتنمو بالحب،
وتتعلم من الفقد كيف تكتب اسمها من جديد.
نحن لا نعرف أنفسنا في الفرح،
بل في الانكسار،
حين يتشققُ اليقين،
وتخرج من الشقوق أجنحةٌ صغيرةٌ من ضوء.
الزمن ليس نهرًا يجرفنا،
بل هو مرآةٌ نمر أمامها مرارا،
نتغير فيها دون أن ندري،
حتى نصير وجوها أخرى تحمل ملامحنا القديمة،
لكنها لا تعرفنا.
كل تجربةٍ نعيشها
تخلفُ فينا أثرًا لا يُرى،
ندبةً على جدار الروح،
وصوتًا جديدًا يتكون في أعماق الصمت.
الذات التي لم تختبر،
تبقى غريبة عن نفسها،
كزهرة لم تعرف الريح،
تخاف النموّ لأنها لا تعرف المعنى.
لكننا ننهض،
دائمًا ننهض،
من رمادٍ لا نرى احتراقه،
لأن فينا شرارةً لا تموت،
تقول بهدوء:
ما زال في الطريق ما يُكتب،
وما زال في القلب ما يُقال.
فلتكن الكتابة حياتنا الأخرى،
حيث لا نطلب إجابةً،
بل لحظة صدق تشبه الحلم،
ولنكتب لا لنفهم،
بل لنكون.
______________
د. هدى عبده ✒️
أضف تعليق