الــوعـي والحــرية (الجـزء الثالــث والأخـــير):
يميـــل الإنســـان بفطــرته الســليمة وطبيعتـــه الآدمــية (الإنســـان مـادة ونفــس وروح “مكــون مـرئـي ومكــون غــير مـرئـي)، الـي الحـريـة ومفاهيمهـــا، فالحـرية عنصـــر أصـــيل فـي المكــون الإنســاني، ســواء كانــت حـريـة فكــرية او حـرية دينيــــة.
وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا. ســورة الأســراء 13.
وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا. ســورة الكهــف 29.
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. ســورة البقــرة 256.
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ. سـورة التـوبة 6.
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. ســورة يونـس 99.
الحـريـة والإنســانية متلازمـان، لذلـك كـان مـن الضــروري تنظــيم الحــرية، ومـن هـذا المنطــلق تأسـست القوانيــن، التـي تنظــم الكـل وتضــبط أقـواله وأفعــاله “المجتمعـات الغربيــة”، امـا فـي ظـل اليقيــن والايمــان فالمنهــج والتكليــف هـو المنظـم لهـذه الـدورة الحيـاتيـة.
والقــرآن الكـريـم تنــاول الحـريـة، والتآصـــل لهــا. وبيــن مقاصـــدها وفـروعهـا فـي العــديد مـن السـياقات والمعــاني.
المنهــج والتكليــف أسـس لمبـدأ الحـرية والأختيـــار، والقــران الكـريـم يـرفـض كـافـة مســـتويات الإكــراه “مـادي / معنــوي”، لتحــل الحـريـة محــل الإكــراه (أبــراز المعـني والتعريــف الحقيقــي للخضــوع والأخضـــاع).
الحـريـة أحـد ركــائز الحضــارة، وكـل تخلــف حضـــاري نـاجـم عـن النقــص فـي الحـريـة، او التزظــيف الخــاطئ لهــا. فالحضــارة تنمــو وتـزدهــر فـي حـريـة البحــث والفكــر والأبــداع. فالحــرية فضــيلة أخلاقيـــة، والحضــارة هـي المنتــج الإنســاني لهــذه الحـرية، وفـق أخلاقيتهـــا وقيمهـــا. ان أهــدار حـريـة الإنســان، يعطــل طاقتــه وانتــاجه وابـداعـه، ويترتــب عليــه أخفــاق المـرء عـلي المســتوي الفــردي، وأخفــاق الأمـة عـلي المســتوي الجمــاعي. فبيئـــة بـلا حـريـة فيهــا، بيئـــة لا أبـداع فيهـــا، ولا انتــاج فيهـــا. فالحــرية هـي البيئـــة المحفــزة لكــل الاخــلاق الايجابيـــة فـي المجتمعـــات، مـع طـرح الســلبيات جانبـــا، وهـي المفجـــر للقــدرات الانتــاجية المـؤدية للنهضــة والارتقـــاء.

تعاليــم الإســلام وصــالحيتها للـزمـان والمكــان، تـؤكـد ان الحـريـة والايمــان متـلازمـان ومتشــابكان، لكـي تســتقيم الحيــاة الدنيـــا دون جــور، وهـي الصــراط الـي الآخــرة. الإســلام حـامي للحـرية، وقـد أســس لهــا ضــمن نصــوصه وتعاليمــه. الإســلام كفــل حـريـة الاعتقــاد، وحـريـة الـرآي والتفكــير، وحــرية العمــل والتمـلك، وحـريـة التنقـــل. شــرط عـلي الأضــرار بالآخـرين وعـدم الأعتــداء عـلي الحقــوق “عـدم الأضــرار او المسـاس بحـرية الآخــرين”.
الإســلام منهــج وســـط بيــن الأفــراط والتفــريط، ومنــع الخــلل فـي تنظــيم الحــرية، الـذي ينجـم عنــه ظهــور الفســاد او الضـلال والأضــلال.
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ. ســورة البقــرة 143.
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. ســورة الـروم 41.
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ. ســورة البقــرة.
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ. ســورة الأعـراف 56.
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. ســورة القـصص 77.
رســالة الإســلام لا تكتمــل إلا بالدعـوة الـي الحـريـة والعــدل، وتغــيير النـاس لحيــاة أفضـــل. فالإنســان لـن يكــون كريمــا فـي ظـل عبــوديته لمخــلوق مثــله، فالحـريـة ملازمــة للكـرامـة الإنســـانية. وهـذا يعــني تمكــين الإنســان مـن ممارســـة حقــوقه المعنــوية والمـادية دون الأضــرار بغــيره. وعـلي ســبيل المثـــال، أقــرار مبــدأ الاجتهـــاد، وهـو بـذل الجهــد فـي ســبيل الوصــول الـي الصــواب، بتحــري أســاليب البحــث العلمـي الدقيــق. والاســلام لا يقبـــل الاســتناد الـي مبــدأ حـريـة الـرآي والتفكــير لنشـــر الفســاد والضــلال “العـلوم الموجهـــة والمزيفـــة والخــوض فـي المتشــابهات بغــير عـلـم”، لمـا يترتــب عـلي ذلــك مـن الأضــرار بمصــالح النـاس ســواء العـامـة او الخاصـــة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا. ســورة الأحــزاب.
وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا. سـورة الأسـراء 53.
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. ســورة آل عمـران 110.

الإســلام يـري الحـريـة حـالـة داخليـــه، تتحــقق بالارتبـــاط بالمطــلق “الله تبــارك وتعــالي”، بينمــا الليبــرالية تـري الحـريـة اســتقلال خـارجي، يتطلـــب التحــرر مـن أي ســلطة مفروضــة (عــين الضــلال والاضــلال والفســاد، لغيــاب المرجعــية الثابتـــه).
غيــاب العقـــل النقــدي الـذي يتــابع كـل صــغيرة او كــبيرة فـي الـوطـن العــربي والعـالـم الإســلامي، هــل لغيــاب الحــرية ام لطمـس / تشــوية الـوعـي تحــت وطــأة الكـــي، ممـن نســميهم النخــب، فصــار الإنســان ووعيـه مجــرد فريســة تحــت رعـايـة آخــرين؟.
لــذا يجــب تـدبـر وتــأمـل قــول الله تبــارك وتعــالي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ. ســورة آل عمــران 118.
الأغــلال ليســت قيــود للأطــراف، بــل هـي قيــود النفـس والعقـــل والقلـــب.

الحـريـة ليســت شـــعارا، انمـا هـي مســئولية. الحـريـة ليســـت عبثـــا، انمـا هـي امـانـة لاصــلاح ما نجـم عـن العبــث.
الحـريـة الواعيــة هـي الجمـع بيـن طـرفي النقيــض، الفقـــر والمجـــد، وبيـن العبــث والبحــث عـن المعــني. فهــي العمـل فـي صــمت دون ضــجيج، فالكلمــات الغــير مفعــلة لا جــدوي لهــا.
والحـريـة هـي اكتشـــاف معـاني الجمــال، دون ارتبــاط المعــاني بمـا هـو مـادي، فهنــاك الغيـب المتـرامي الاطــراف، غــير مـرئـي لكنـــه مـدرك، لكـل مـن احســن التـأمـل والتــدبر. فالحـرية هـي ان تـري الكــثير، دون ان تملـك الكــثير.
بـاب الحـريـة فـي المعــرفة، وليســت فـي الســيطرة والهيمنــة. فالمعـرفة والفضــول والرغبــة فـي الفهــم، هـي ابــواب التحــرر مـن العبــوية لصــناعة الإنســانية. الحـرية هـي ان يتــم صــناعة شـــيئا مـن الحيـــاة، لكــي تســتحق الحيــاة ان تعـاش. الحـرية هـي ارســاء العـدالـة دون كراهيـــة، فالحــرية هـي الصــدق والوضــوح والمواجهـــة، دون تزيــيف، ودون التخــلي عـن الحيــادية، فالحــق حــق، والبـاطـل بـاطــل، دون محـاولـة المـرج بينهمـــا فـي المنــاطق الرمـادية.
والحـريـة لا تبيـــح العنــف مـن أجــل العـدالـة، وإلا ينتــهي الامــر مـن الافــراط فـي العنـــف الـي تدمــير العـدالـة.
الاختــلاف لا يعــني الكراهيـــة، والفكـــر لا يجــب ان يتحــول الي محكمـــة، تـديـن مـن لا يتفـــق معــه. والفكــر الـذي يــبرر الظـلم مـن اجـل العــدالـة، هــو فكــر مريــض ينتشـــر كالطـاعـون.
وأختتـم بآيـات الله تبـــارك وتعــالي.
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ. ســورة الحـج 15.
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ. ســـورة غـافـر.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. ســورة الحـج 17.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. سـورة البقــرة 62.
خـالـد عـبد الصــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ