

ســـراديب الحضـــارة المفقـــــــودة (الجــزء الأخــير):-
أنـــدثــار الحضــــارة – الجــــزء الأول:-
كـان رجـل الـدولـة والشـــاعر الأثينــي ســولون فـي زيــارة لمصــر ومعـابدهـا، عــام 600 قبـل الميـلاد تقريبـــا. وأثنــاء الـزيـارة ألتقـــي بـأحـد الكهنـــة “العلمــاء” مـن معبــد ســايس (هــو أحــد المعــابد المصـرية القديمــة المهمـة، ويقــع فـي شــمال مصــر بدلتــا النيــل، تحــديـدا فـي قــريـة ســايس وحاليــا تعــرف باســم صــا الحجــر بمحافظــة الغربيــة)، وقـد روي لـه الكـاهـن بعــض أحــداث التــاريخ القــديم “الســابق لهـذه الحقبــة الزمنيـــة”. وممـا ورد عـن الكـاهـن “لقــد مضــت ولســوف تـآتـي كـوارث عـديـدة، ومـدمـرة ســحقت فيهــا البشــرية، أعظمهــا كـان بســبب المـاء والنــار، وكـوارث أقـل لأســباب آخــري. لكـن عليــك فـي كـل مـرة ان تبــدأ مـن جـديـد – حـتي وان كنـت لا تعــرف شــيئا، عمـا حـدث فـي العصــور القديمــة”.
وهنــا الســؤال مـا الســبب فـي دمـار الكــثير مـن الأهــرامات والصــروح المصــرية؟، ومـا الســبب وراء نـزوح جمــاعي مـن وادي النيــل الـي الصــحراء الغربيـــة فـي ســـنة 8000 قبــل الميــلاد تقريبـــا؟، وهـل تـرك ملـوك الأســرات وثــائق او ســرديات تخـــبر عـن حـدوث كـارثـة فـي عصــور ســابقة؟.
فـي العقــود الأخــيرة، ومـع تطــور الدراســات الجيـولوجيـة، والأبحـاث العلميــة مـع تطـور التكنـولوجيا. بــدأت تتجمــع الكـثير مـن الأدلــة، تشـــير لحـدوث كـوارث طبيعيــة، ضــربت أرض مصــر والأناضـــول أمريكـا الجنـوبية وجـزيـرة القيــامة وأمـاكـن آخــري متفــرقة، وكـان هــذا تزامنـــا مـع نهـاية العصــر الجليــدي وفقـــا للحســابات الجيـولوجيــة.
وعـلي ســـبيل المثـــال، العاصــفة الشمسـية وهـي كارثــة طبيــعية، تحــدث نتيـجة وقــوع تفــاعلات وانفجـــارات هيدروجينيــة عـلى ســطح الشــمس، وقـد تمتــد ألســنة اللهــب مـن الشـمس إلى الأرض، مصـحوبة بحــرارة قــوية قـد تصـل شــدتها إلـى أكــثر مـن 1000 درجــة مئــوية، وقــد أوضــح الدكتــور روبـرت تشــوك فـي كتـــابه “الحضــارات المنسـية The Forgotten Civilizations”، أن مثــل هــذه العواصــف الشـمسـية تتكــرر كــل 20 أو 25 ألـف ســنة (هـل تكــون نصــاحبة للســنة الفلكيــة الكــبري “أنقــلاب الأقطــاب”)، وهنــاك آثــار لتـلك العاصــفة الشمســية فـي عــدة أماكــن فـي العــالم وليـس فـي مصــر فقــط، فـي البتــراء بالأردن وبيــرو وبوليفيــــا. وهنــاك كــارثة ثانيـــة كانــت عبــارة عـن عاصــفة ريــاح عاتيــة حدثــت فـي الفتــرة ذاتهــا أو فـي فتــرة قريبــة منهــا، كانــت هـي الســبب الرئيســي فـي تدميــر الحضــارة المصــرية والقضــاء عـلى معظـم أصــحابها، وهــذه الكــارثة مـوجـود عليهــا دليــل فـي الحضــارة المصــرية، وهــي “لـوحـة العاصــفة The Tempest Stele” عــثر عليهـا فـي الكــرنـك حــوالي ســنة 1950م بواســطة بعثــة فرنســية، وتتحــدث هـذه اللـوحة عـن وقــوع عاصــفة مـدمـرة فـي مصــر القديمــة تســببت فـي تدميــر الأهــرامات وقتــل النـاس وهــدم المعــابد، حـتى أن صــراخ البشــر منهــا كـان عــالي للغــاية ومســموع نتيجــة تســببها فـي تطــاير النـاس مـن شــدة قوتهــا. اللـوحـة منســوبة إلى الملـك أحمـس، ولكــن لـم يـذكـر فـي اللوحــة بشــكل واضــح إن كانـت العاصــفة حدثــت فـي عصــر كتــابة اللوحـة أم فـي عهــد أقــدم.
هــذه الكــوارث ســـببت دمـار واســـع، وقضـــت عـلي اصــحاب الحضــارات الأولـي.
فـي أوائــل التســعينات، وبعـد خـروج نظــرية قـدم تمثــال أبـو الهــول بســبب التعــرية الجيـولوجيـة. أشــتد الخـلاف بيـن الجيـولوجي روبــرت تشــوك مـن جهــه، وعـالـم الأثــار د/ مـارك لينـــر، حـول عمــر التمثـــال وانـه يعــود الـي تـاريخ أقــدم مـن عمـره الشــائع بالآف الســـنين.
د/ مـارك لينــر نقــد الفكــرة بشــدة، وقـال انـه مـن غـير الممكـــن ان يكــون عمــر الثمثـــال أقـدم بالآف الســنين، لان التســليم بذلــك ســـيجعل مـن أبـو الهــول عبــارة عـن نبـــت عشـــوائي وخـارج الســياق الزمــني لآي أثــر فـي العـالـم.
وكـان رد تشـــوك أن فـي المســـتقبل قـد تظهـــر أثــار آخــري لهــا نفــس العمـــر التــاريخي.
وبعــد هـذا الخــلاف بســنوات قليــلة، حـدث أكتشــاف فـي مكــان بعــيد جـدا عـن أبـو الهــول ســـيغير هـذه الفكــرة.
منطقـــة جـوبكــلي تيبــي جنــوب تركيـــا “مـوقـع جـوبكـلي تيبــي مقاطعـــة ســانليورفـا – جنــوب تركيـــا، لـم يـــدرَك أهميتــه إلا ســنة 1994، عنـدما أعــاد دراســته عـالم الآثــار الألمــاني كـلاوس شــميت، وأُدرِج عـلى قائمــة التــراث العـالـمي لليونســكو ســنة 2018م”.
جـوبكــلي تـأتي بمعــني البطــن المنتفخـــة وتيبــي بمعــني التبـــة، وبالتــالي يمكـن ترجمتهـــا الـي التبـــة المنتفخـــة. وهـي عبــارة عـن مرتفـــع أشــبه بالبطــن، ورغـم ان هـذا المـوقـع مكتشـــف مـن الســتينات، إلا انـه حظــي بالاهتمــام فـي منتصــف التســعينات. وقـد تـم اكتشــاف مـا يقــرب مـن 60 عمــود، معظمهـــا عـلي شــكل حــرف تـي T، وتشــكل مجمــوعة مـن الـدوائــر يتــراوح طـولهـا مـن 3 الـي 6 أمتــار، ووزنهـــا مـن 10 الـي 15 طــن، والعمــود عبــارة عـن قطعــة واحــدة منقوشـــة بالنقـش البــارز. بتــأريخ المـواد العضــوية حـول تلـك الأعمــدة، كـان التــأريخ مفــاجـأة حــوالي 9500 / 9600 ســنة ق.م، وهـذا هـو التـاريخ الرســمي للمـوقـع. هــذا التـاريخ مفــاجـأة للجميـــع، فالـروايـة الســائدة ان هـذه الفتــرة، كـان العـالـم يعيــش فـي مجتمعــات بـدائيـــة (صــيادين رحـــل وأقــوام تحيـــا عـلي الجمــع والألتقـــاط)، وبالتــالي لـم يكــن هنــاك آي قــدرة، عـلي أشــاء مـدن او مبــاني ضــخمة (حضــارة). فـي حـين أنشــاء مجمــع مثــل المكتشـــف فـي جـوبكــلي يحتــاج الـي أســـتقرار، ومحــاولات مـن أجــل الوصــول / انتـــاج / نقـــل الـي اســـتعمال احجــار ضـــخمة فـي البنــاء. قــد لا تكــون الأعمــدة مســتقيمة، لكنهـــا ضــخمة وبـأعـداد كــبيرة. عـلـق الأثــري إيـان هـودر مـن جامعــة ســتانفورد عـلي الكشـــف وقـال “هـذه الأعمــدة كــبيرة رغـم أنهــا تنتمــي الـي عصـــر قـديـم جــدا، وهــذا يبــدد كـل النظــريات القديمــة حـول التـاريخ، ويبــدو انهــا خاطئـــة”.
الأعمــدة تحتــوي عـلي نقــوش بــارزة، لمجمــوعة مـن الحــيوانات كالأســود والأفـاعي والطيــور والعقــارب (قـد تكـون هـذه النقـوش كلمــات أو حـروف لكلمــات أو قوانيــن أو جميعهـــا معــا)، ولا تـزال معـاني وتـأويـلات هـذه المنحــوتات مـن حيـوانات وطيــور وغـيرهـا، تحـــت الدراســـة، فربمـا هـي ســـجلات وربمـا تكــون رمـوز فلكيـــة او دينيـــة. كمـا ان هـذه الاعمـدة تحتــوي عـلي تمثــال بالحجـم الطــبيعي لإنســان، تـم اعتبــاره اقـدم تمثـــال فـي العـالـم، ويـلاحـظ طريقــة تشــبيك الأيـدي أمـام التمثـــال، وهـي أيضـــا مـوجـودة عـلي الأعمـدة، برســم أذرع وهميـــة ولهـا نفـس طريقــة تشــبيك الأيــدي (هـل هـي تعكـس أداء الصــلاة).
جـوبكــلي تيــبي ليســـت وحـيدة، فقــد تـم أكتشـــاف مـواقـع عــديدة تابعــة لنفـس الصـــفات، أحتــوت جميعـها عـلي أعمــدة بشــكل حــرف تـي T. ومنهـــا مـوقـع ســيفير تيــبي Sefer Tepe، تاســـلي تيـبي Taslı Tepe، هيربتسـوفان تيـبي Harbetsuvan Tepe، كـاراهـان تيــبي Karahan Tepe، هـامـزان تيــبي Hamzan Tepe، تشــيكماك تيــبي Çakmak Tepe، ســايبورج Sayburç، نيــفالي تشــوري Nevalı Çori، الكـرت تيبســي Kurt Tepesi، أيـانـلار هـويـوك Ayanlar Höyük. وان كـان معظـم هـذه المـواقـع محطــم، وأصــغر حجمـــا مـن جـوبكـلي، إلا انهــا تنتمــي الـي نفـس الفــترة والفكــر الحضـــاري.
وهـذا يعــني أقـامـة مجتمـــع نظــامي، بدون عشــوائية فاســتطاع الانســان انشــاء كـل هـذه المـواقـع. وحـتي تاريخـه لـم يكتشــف ســوي 10% مـن المـوقـع، ومـازال البــاقي تحــت الأرض. الملفـــت للنظـــر انـه تـم دفــن المكــان بقوالـــب حجــرية، عـن عمـد لحمــاية المكـــان وحمــاية الأعمــدة. والســؤال هنــا لمــاذا يتـم الحمــاية بهـذه الطريقــــة ومـا هـي الاســباب؟.
أكتفـــي بهــذا القــدر ونكمــل فـي الأجــزاء القـادمـة ان شــاء الله تبــارك وتعــالي.
خـالـد عـبد الصــمد.
أضف تعليق