الـوعـي والفلســفة والمتــاهة (2).
لكــي يتـم العــبث بالـوعـي، يـتم الخلــط مـا بيــن مـا يقــرره العقـــل، ومـا تــراه الحـواس. وهكــذا يـتم التضـليل بـان الـوعـي يقــرر مـا يختــبئ خلــف العقــل والحـواس (العقــل يتـوهـم فـي متــاهة الحقيقــة والســراب، ويعجــز أمـام التنــاقض، فتصــير الحـقـائق والاوهـام مجــرد تـأويــلات).
العقــل والـوعـي لابـــد لهمـا مـن وعــاء، والـوعـاء هـو الجســد، الحـواس فـي الجســد هـي جـذور العقـــل. وهكــذا يرتبــط الشــعور بالتفكــير، الجـذور قـد تكــون ذاكــرة الـوعـي، عـبر عقــل شــمولي غـير مـدرك.
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. ســورة النـور 24.
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. ســورة يـس 65.
حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ. ســورة فصـلت.
الفلســفة الحديثــة تبحــث كيــف يفكـــر الجســد (اللغـــة – الأيمــاء – اللمســة وغــيرهـا)، وهـو مـا يعــتبر تفســير لمضمــون ومحتــوي مـا جــاء فـي كلمـــات الله تبــارك وتعـالي فـي الآيــات الســابقة. لــذا الصــمت أكــثر بـلاغـة مـن المنطــق، والعقـــل مشــارك فـي صــناعة الحكمـــة عـند تمــام الأدراك والـوعـي، والصــمت لغــة الـداخـل لا يسـتشـعرها الجمـيع، حـتي ان صـاحبهـا الغـافـل لا يـدرك معانيهــا ومضـامينهـا ومحتــواها.
الكــل (العقــل – الجســد) يفكـــر وعـندما تتنــاغـم الأفكــار، تــبرز الحقــائق مـن أطــلال الـوهـم والســراب، وعـندما تتعــارض تختــفي الحقيقـــة فـي ضــجيج الأهــواء والرغبـــات.
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. ســورة آل عمــران 14.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. ســورة التغـابن 14.
الأنسـحاب مـن زحـام المعــاني يعطــي الفرصــة لســماع مـا لـم يقـــال بعــد، والفكــرة ليســت نتــاج، بـل للتعـايـش فيهـــا، وامـا الســكن وامـا العــراء.
الانســان ليـس واحـد كمـا يعتقــد البعــض، بـل فـي أعمـاق الانســان يعـيش أثنــان، واحـد يتـكلم والآخــر يصــغي بصــمت. فالعقـــل ليـس وحـدة بســيطة كمـا يتـوهـم البعــض، بـل ســـاحة تتعــالي فيهــا الأصــوات، وكـل صــوت يحمــل نيــه مختلفـــة، وكـل فكــرة تحـاول الســيطرة لتكــون الحقيقـــة.
وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. ســورة الـزخـرف 36.
حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ. سـورة الـزخـرف 38.
وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ. سـورة ق 23.
قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ. سـورة ق 27.
وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا. سـورة النسـاء 38.
قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51)يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ســورة الصــافات.
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ. سـورة فصـلت 25.
لـذا لا صــلاح للمـرء، إلا عـندمـا يصــادق ظـله، فيســلم كـلا منهمــا الـي الآخــر.
الظــل هـو الجــزء المخفــي، الـذي نحــاول أخفــاؤه، وهـو الـوجـه الآخــر للعقـــل (الظـل ليـس شــرا مطلقـــا، بـل ضــرورة فبــدون الظــلام لا أدراك للنــور). والصــراع الـدائـم بيــن الأضــاد (الـوعـي واللاوعـــي – الرغبــة والمنطــق – الصــلاح والهــوي – العاصــفة والســكينة).
ســر الهــدوء يبــدأ مـن الانســجام والتنــاغم بيـن الـذات المنقســمة وســط ضــجيج الفوضــي. والأصــغاء للظــل هـو ما يشــحذ الـوعـي، لكــي ينيــر الـوعـي اللاوعــي بالمنطــق واليقيـــن.
وفـي ذلــك قــال الرســول صــلي اللع عليـه وســلم ” ما مِنكُم مِن أحَدٍ، إلَّا وقدْ وُكِّلَ به قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ، قالوا: وإيَّاكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: وإيَّايَ، إلَّا أنَّ اللَّهَ أعانَنِي عليه فأسْلَمَ، فلا يَأْمُرُنِي إلَّا بخَيْرٍ. [وفي رواية]: وقدْ وُكِّلَ به قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ وقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ.
الــراوي: عبـد الله بـن مســعود والمحـدث: مسـلم والمصــدر: صـحيح مسـلم وخلاصـة حكـم المحــدث: صــحيح”.

الفكــر الـذي يبــدأ بالدهشـــة ينتهــي بالحكمـــة، والحكمــة ليســت المـزيـد مـن المعــرفة، بـل رغبــة أقــل فـي الســيطرة.
وفـي التـأمـل يمــر الضــوء والظــل معــا، وفـي تصــالحهما تكــون الطمـأنينــة والســكينة (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا. ســورة النسـاء 32).
المعــرفة ليســت الغــايـة بـل الـوعـي بهـــا هـو الغــايـة، والمعــرفة ليســت مطــاردة المعــاني، بـل فـي الاســتماع لهـذه المعـاني فـي صــمت.
يقظــة الـوعـي فـي أتحــاد الجســد والعقـــل فـي اللازمــن “توقــف الـزمـن فـي النــوم”، هنــا تكتمــل المعــاني، عـندما لا يحتــاج العقـــل إلا لحــدود لغتــه. العقــل صــديق الانســان وشــريكه، يمشــي معـه الطـريق بيـن النــور والعتمــه، فالعقــل رفيــق الرحـلة، يحـاول الفهـم والارشــاد. لهــذا كانــت كلمــات الله تبــارك وتعــالي “أفـلا يعقـــلون، أفـلا تـذكـرون، أفـلا يتـدبرون، أفـلا يفقهــون، أفـلا ينظــرون”.
أكتفــي بهــذا القــدر ونكمـل فـي الجـزء القـادم أن شــاء الله تبـارك وتعـالي.
خـالـد عـبد الصــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ