
الـوعـي والفلســفة والمتــاهة (3).
النفـس هـي مكــان داخــل الانســـان، لا يــراه أحـد ولا يـدخـل إليــه أحــد، وهـذا المكـان يخـاف المـرء نفسـه أحيـانا مـن الأقــتراب منـه. مـع ان هـذا المكـان بالـداخـل ويعيــش المـرء معــه بشــكل يـومـي، إلا ان هـذا الأصــوات الخافتـه والرغبــات القديمــة والأحـلام المـؤجـله والشــهوات، تحمـل المـرء أحيـانا مـن عـدم أقتحـامـه، لمـا فيـه مـن عتمــه وظلمـه تحتــاج الـي النــور.
متـاهة النفـس ليســت عـدوا، بـل كيــان كثيــف يحتــاج الـي النــور وأزالـة مـا علــق بـه مـن غبـــار. وهـذه المتــاهه تحتــاج الـي الأصــغاء والتفـاهـم والتصــالح، وليـس الـي الصــراع والهجـــر.
الباحــث عـن الحقيقــة واليقيــن، لأبـد مـن دخــوله عـبر بـاب المتــاهه، والتجــول فيهــا وأنـارتهـا رويــدا رويــدا، ليصــل الـي الغـايـة وهـي التصــالح وإســلام النفــس.
العـاقـل والـواعـي يتخــذ مـن النفــس رفيـــق لا خصــم، فالنفــس امـا ان تكــون حجــاب وامـا ان تكــون جــلاء، غــذاء النفــس هـو النــور، وامـا الرغبــات المتضــاربة والميــول قـد تكــون وســيلة النفـس فـي البحــث عـن هـذا النــور فـي أجــواء الظــلال، وعـلي العـاقـل الـواعـي هـدايتهـــا الـي النــور بعيــدا عـن الظــلال، حينهـــا تعــتاد النفـس النــور فتتخــلي بكـامـل أرادتهـــا عـن العتمــة والظلمـــة. النفـس تطلــب مـا يـوافق ماهيتهـــا، وإذا تـم أدراك ما تطلبــه النفــس كـان مـن الســهل التفـاهـم معهــا بالـرفق والليــن، بـدلا مـن القهــر والأذلال.
النفـس جـزء مـن الـرحلـة وليـس عائقـــا فـي طريقهـــا، والـرحـلة يلــزمها الرفيـــق، والمـرء القــادر عـلي رؤيــة نفســه بوضــوح لا يهــرب منهــا، بـل يرافقهـــا ويحنــو عليهـــا، فتنصـــاع النفــس الـي الـوعـي دون مـواربــه. هكــذا تتحــول النفـس مـن عـائـق الـي بــاب للنــور، بعــد مواجهـــة مـا كـان يخشــاه المـرء فـي الظــلال والظــلام الـداخــلي.
ومـن أســتوحـش نفســـه، صــارت النفـس عليـه وحشـــا (فـي الغفــلة يــزداد تـراكـم الغبــار عـلي مـرآة النفــس، فتطمــس وتشــوه كـل الصــور، فالنفـس تخيــف صـاحبهـا لمـا فيهــا مـن خيــال “الـوهـم – الســراب – الرغبــات – النــزوات – الشــهوات”، وإذا أنكشــف الخيـــال بنـور اليقيــن، أطمئنــت النفـس فأطمئــن صــاحبها”، العـالـم الخـارجي يطـابق العـالـم الخـارجـي، فإذا أمتلئـت النفـس بالخــوف صــار العـالـم مكــانا مخيفـــا، وإذا أمتلئـت النفـس بالشــك صــار العـالـم مكــانا للتهــديد).
حـار الفلاســفة والعلمـاء والباحثيــن فـي النفــس، بالـرغـم ان النفـس مـن المكــونات الأصــليه والأصــيلة للانســان، مكــونات الانســان مـادة ونفــس وروح “أمـر ومحــددات ومعـايير”، وهـذه المكــونات فيهــا التنــاغم والأنســجام، وبالـرغـم مـن التنــاغم عـند قمـع أحـداهـا تتمــرد عـلي المكـونات الآخــري، ومـن هنــا يبــدأ التنــافر الظــاهري وان كـان غــير مـرئي. النفـس هـي المتــاهه الداخليــه المظلمــة، العـاقـل الـواعـي هـو مـن يقــوم بأنـارتهــا، بـل ويقنعهـــا بـان الأنـارة خــير مـن العتمــه والظــلام، امـا الغـافـل الـذي يتخبطــه الشــيطان مـن المـس، يتنــازع مـع النفـس فتهلكــه النفـس فـي عتمتهـــا وظلامهــا.
الله تبــارك وتعــالي لخــص كـل الابحــاث والفلســفات والدراســات عـن النفـس فـي هـذه الآيــات القصــيرة، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا. ســورة الشـمس.
تعـريـف الإلهــام لغــويا، هـو إيقــاع شــئ فـي قلــب العـاقـل، يفضــي الـي العمــل بـه، ويحمـله عليــه، ويميــل قلبـــه إليـه، حقــا كـان او بـاطــلا. (الإلهــام يـأتـي عـلي شــكل أفكــار او معــان تبعــث النفــس عـلي الفعــل او التــرك، ســواء كـان ذلـك خــيرا او شــرا).
امـا تعـريـف الإلهــام أصــطلاحا عـند الأصــوليين، هـو إيقــاع شـئ فـي الصــدر، يثـلج لـه الصــدر، ويخـص بـه الله تبــارك وتعــالي بعـض المصــطفين مـن عبـاده الأنقيــاء. وقيــل انـه مـا حـرك القلــب بعـلـم، يـدعـو الـي العمــل بـه مـن غيــر أســتدلال بـآيـة ولا نظــر فـي حجـــة. وقيــل ما يخــلق الله ســبحانه وتعـالي فـي قلــب المؤمـن العـاقـل مـن العـلـم الضــروري الـداعـي الـي العمــل المـرغـوب فيـــه. وقيــل هـو أتبــاع المـرء مـا أشــتهاه بقلبـــه او أشــارة إليــه فـي أمـر مـن غــير نظــر او اســتدلال.
والخلاصــة ان كـان المـأمـور بـه حقـــا فهـو إلهــام، وان كـان المـأمـور بـه بـاطـلبا فهـو وسـوسـه مـذمـومـة، والعــبرة فـي عـرض مـا ألقــي فـي النفــس عـلي الكتــاب والســنة “المعـايير والمحـددات التـي ســنها الله تبــارك وتعـالي فـي الخــلق (الفطــرة الســليمة)”، ان كـان حـق فهــو الإلهــام المحمــود، وان كـان عكــس ذلــك فهـو الوســواس الـمذمـوم.
التزكيـــة تحمـل الكــثير مـن المعــاني (النقــاء والتطهــير والتخلـص مـن الشــكوك والاخــلاق الســيئة – النمــو والـزيـادة “تنميــة الخــيرات لتثمــر الصــلاح والأصــلاح” – كمـا انهـا ترتبــط بالعطــاء الغــير مقــرون بأنتظــار المقــابل وصــولا الـي حـد الأيثـــار). ففـي الـزكـاة الطهــارة والنمــاء والبـركـة والمـدح دون أفــراط او مبـالغـة، والتزكيــة تحــل عـندما تتخــلي النفـس عـن الذنـوب والســيئات والمعاصــي والقبــائح، والتزكيــه تحـل أيضــا عـندما تتحـلي النفـس بالمكـرمـات، وتنمـي المسـتحسـن مـن الأخـلاق بالقــول والفعــل “الأرتقــاء بالنفـس مـن درجـة لآخــري أعـلي، مراتــب الحســن والصــفاء حـتي تبــلغ أعـلي المســتويات وأســماها”.
الـدس هـو المعـامـلة بعــنف، او دفـن الشــئ وأخفــاؤه، او دبــر لـه المكـائد، وفـي هـذا الأخفــاء الهـلاك والتضــليل “أخفــاء الفضــل والحمــل عـلي الفجــور والمعاصــي”.
العــاقل الـواعـي هــو مـن يـرافق نفســه فتصــفو لـه، ولا يدســـها ويحـاربها فيهـلك ” قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا. ســورة الكهــف”.
لهـذا كـان دعـاء الرســول الله صــلي الله عليـه وســلم، لله تبــارك وتعــالي فـي الاســتعانه عـلي النفـس وتزكيتهـــا.
لَا أَقُولُ لَكُمْ إلَّا كما كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ؛ كانَ يقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا.
الــراوي: زيـد بـن أرقـم والمحــدث: مســلم والمصــدر: صـحيح مسـلم وخلاصـة حكـم المحــدث: صــحيح.
خـالـد عـبد الصــمد.
أضف تعليق