الـوعـي والجـــدال.
الجــدال المصــاحب بالتــبرير للـدفـاع عـن النفـس خســارة فعليـــه، الجـدال ليـس يــاحة للفــوز والخســارة، الجـدال أســتفزاز وأنـدفـاع الـي الظــلال الغـير قـابـلة للأنــارة “المـذمـومـة”.
الارتفــاع عـن الجـدال هـو المكســب المـؤكـد، وهـذا ما يسـميه البعــض اللامبــالاة الاســتراتيجية، اللامبــالاة الاســتراتيجية لا تعـني الجهــل او التجـاهـل، ولا تعنــي الغبـاء او الاســتغباء، بـل تعـني تفهـم مـا يحـدث وأختيــار عـدم المشــاركة فـي الجـدال. وهـذا الخيــار الـواعـي لعـدم الاســتجابه الـي ضــجيج التـوتر والاســتفزاز فـي المحيــط “عـدم أمـداد الآخـرين بـوقـود التــوتر والاســتفزاز”.
الـدفـاع عـن النفـس هـو أعــتراف ضــمني بالذنــب أو الخطـــأ، والتــبرير مـا هـو إلا رســالة للعقــل البـاطـن للطـرف الآخــر بالخـوف او التهــديد. مـن يـدافـع عـن نفســه يحــول الشــك الـي يقيــن، البـرئ لا يحتــاج لفكــرة الـدفـاع عـن النفــس. والأتهـامـات المكـذوبة والســخيفة لا تســتحق عنــاء الـرد، الـواثـق مـن حقيقتــه لا يحتــاج الـي أثبــاتهـا بالقــول بـل بالفعـــل. الصــمت الـواثـق يبنـي الســلطة، والـواثـق يـدرك إذا كـان هنـاك خطــأ ســيبادر بالأصــلاح بنـاء عـلي الحقـائق لا العواطــف. وطـاقـة المـرء يـتم قــراءتهـا دون كلمــات، الشــرح الـلأزم يـأتي مـن مكـان القــوة والوضــوح، أمـا التــبرير والـدفـاع يــأتي مـن مكــان الضــعف والتخبــط.
الأدمـان عـلي موافقـــة الآخــرين حيــال الرضـــا فـي الأقــوال والأفعـــال، وهـو مـا يسـمي البحـث عـن التقــدير، هـو أعطـاء الآخـرين مفـاتيح النفـس والقــرار “المـرء يصــبح رهينــة لآراء أنـاس لا يهتمــون بمصــلحته، أهــدار لحقــوق المـرء ومطالبتــه بمـا عليــه مـن واجبــات”، البحــث عـن التقــدير ســجن يبنيــه المـرء لنفســه بنفســه، والســجن والســجان هـو المـرء نفســه دون غــيره.
المــرء الـذي يقضــي لحظــاته فـي التــبرير او البحـث عـن الرضـــا، هـو يضــيع بنــاء مســتقبله فـي قــرارات مـبررة او قــرارات مؤجـلـه، مـن يحـترم نفســه لا يحتــاج الـي تصــويت الآخــرين، القــوة الحقيقـية كـامنـة فـي الـداخـل وليســت مـن ردود أفعــال الخــارج، والمـرء لابـد ان يـدرك ان الحيــاة ليســت مســرحا ولا تحتــاج الـي جمهــور للتصــفيق، الحيــاة بنــاء غــير مشــروط يبــدأ مـن الـداخـل دون مـراعـاة للنقــد الغـير بنــاء “الســام” مـن الخــارج.
العــاقـل الـواعـي يـدرك ان الصــمت ســلاح لا ضـــعف، ولا يقــدر قيمـة الصــمت إلا كـل واعـي وعـاقـل. الجهــلاء يظنــون أنـه ضــعف وعـدم قــدرة وذلـك مـن فـرط جهـلهم بالعقــل والـوعـي. الصــمت فــراغ يحــول الضــغوط عـلي الطـرف الآخــر، ولمحـاولة مـلئ هـذا الفــراغ ينحــدر الطـرف الآخــر الـي التخمينــات والظــنون، وهكـذا يتشـــكك الجـاهـل فـي نفســه “تجـاهـل مـن أجـل الســيطرة، والحكمــة هـي أدراك مـتي الصــمت ومـتي الكــلام”.
والحكمـــة هـي التمــييز بيـن النقــد البنـــاء والاســتفزاز الســام، النقــد البنــاء هـو ســرد الحقيقـــة بطريقـــة تبنـي لا تهــدم، أمـا الاســتفزاز السـام هـو طريقــة للأفشــال والســقوط، والتركــيز عـلي العيــوب دون أحـترام للمشــاعر “كلمـات مـؤذيـة”.
النقــد البنــاء نيتــه المســاعدة، امـا الأســتفزاز السـام نيتــه الأيــذاء، فالنقــد البنــاء يســتحق الســماع، والاســتفزاز السـام يســتحق الصـمت. لـذا الـردود الجليــدية غالبــا مـا تنهــي الاســتفزاز المباشـــر، وهـي مـا تجــبر المســتفز الـي الـدفـاع عـن نفســه، المجــادل يبحــث عـن المقــاومة، وعـند عـدم حصــوله عليهــا ينتهــي الجــدال “اللعبــة تحتــاج الـي طرفيــن”. الحكمــة هـي التفــريق بيـن الشــعور والاســتجابه، والحكمــة هـي الاختيــار بيـن الاســتجابه والتجـاهـل، والحكمــة هـي الاختيــار بيـن شــخص تتحكـم فيـه الظــروف وشــخص يتحـكم فـي الظــروف.

وفـي الختــام دعــوة الـي تـدبـر قــول الله تبــارك وتعــالي عـن الجــدال.
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا. سـورة الكهـف 54.
وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. ســورة العنكـبوت 46.
ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. ســورة النحـل 125.
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا. ســورة النســاء 109.
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ. ســورة غـافـر 5.
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ. سـورة الحـج 8.
مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ. ســورة غـافـر 4.
خـالــد عـبد الصــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ