
الـوعـي ومـداخـل الشــيطان (3).
الشــيطان يعـلم ان الانســان بفطــرته ينفــر مـن المعصــية الصـريحة، لكنـه يخـدع الانســان بتليــن المعصــية، مـدخـل الشــهوات هـو البــاب الـذي أســقط بـه الأمـم الســـابقة، جعلهــم يســتبدلون الطهــر بالدنــس، والنقــاء بالشـــهوة، والايمـان بالهـوي. والشــهوة كالســيل (الطـوفـان) إذا لـم يقيــم لهـا الانســان الســدود أغرقــت القلــب، والشــيطان يعـلـم ان النفـس تميـل الـي مـا يـوافـق طبيعتهـــا، فهـي تميــل الـي اللــذة حـتي لـو كانــت مؤقتــه، وتنفــر مـن الألـم حـتي لـو كـان الـدواء، يقــوم الشــيطان بتوســيع دائـرة الخــيال، ثـم فتــح بـاب التفكــير، ثـم بــاب التمــني، ثـم بــاب الأقــتراب، ثـم بــاب الفعـــل. والشــيطان يختــار لكـل انســان نوعيــه الشـــهوة التـي تضـــله.
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. سـورة آل عمـران 14.
والشــيطان يحــبذ مـدخـل التـدرج لكـي يســلب ارادة الأنســان رويــدا رويــدا، فيبــدأ الفســـاد بخطــوة ومـع التـدرج تصــبح عـادة ثـم ســلوك دائــم، بالتـدرج يتـم الأنحــراف عـلي الفطــرة الســليمة والصــراط المســتقيم. والتـدرج يســقط كبــار النفـوس قبــل صــغارها، لآن النفـوس الكـبيرة لا تقبـــل المعصــية مباشــرة، بالتـدرج يـتم أســقاطها فـي الليــن والتأجيــل والتخفيــف والتســهيل وغـيرها. والشــيطان يـزييــن العمـل القبيـــح (عـبر التغليــف بمـا يخطــف النظــر)، فتبــدوا المعصــية فضــيلة، ويبــدو الظـلـم عـدل، ويبــدو الريــاء أخلاصـــا وهكـــذا.
أنشــغال القلــب مـدخـل مـن أخطـر مـداخـل الشــيطان، هـذا المـدخـل لا يعتمــد عـلي معصــية معينــة (ضــجيج الفوضــي)، بـل يعتمــد عـلي أضــاعة الوقـــت وهـو الانشـــغال بمـا لا ينفـــع، وهــذا طــريق الضــعف وعـدم القــدرة علـي مواجهـــة الوســاوس، وشــيئا فشــيئا يقــود الشــيطان الانسـان الـي المعاصــي الكــبري دون مقـاومـة.
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. ســورة العصــر.
إذا لـم يســتطيع الشـيطان ان يكفــر الانســان، يـريـد مـنه ان يغفـــل، فـإذا غفـــل تخلــص الشــيطان مـن مقــاومته.
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. ســورة البقـرة.
الشــهوات ليســت حـركـات عـابـرة تفعلهــا الجـوارح، بـل قـوة عـارمـه تعــتري النفــس، فـإذا ملكــت القلــب صــار أســيرا لهـا، والشــهوة ليســت وليــدة اللحظــة، بـل هـي فكــرة تتحــول الـي ميــل، ثـم الـي رغبــة ثـم الـي أرادة غـير واعيــه، ثـم الـي فعــل ثـم الـي عــادة ثـم الـي عبــودية للهــوي.
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ. ســورة الجاثيــة 23.
فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا. سـورة مـريـم 59.
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا. ســورة النسـاء 27.
شــهوة النظــر هـي ســهم الشــيطان الـذي يصــيب القلــب أصــابة مباشـــرة،
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ. ســورة طـه 131.
فالعــين هـي بـوابـة الشــيطان الـي العقــل ثـم النفـس ثـم القلـــب ثـم الـي العمــل (الغـرق فـي الفاحشــة دائمـا يبــدأ مـن العــين.
شــهوة الســمع بـاب خفــي للشــيطان، ســماع مـا هـو محــرم عبــارة عـن بـذرة شــهوة زرعــت فـي القلـــب (تجعــل الانســان يتخيــل ويتمنـي ويشــتاق ويضــعف حـتي يجــد الانسـان نفســه ميــالا لهـذه الشــهوة).
وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ. ســورة القصـص 55.
والشـيطان لا يتـرك عضــوا إلا ويجعــل لـه نصــيبا مـن الأغــواء (الجـوارح)، فاللســان يشــتهي الكـلام والغيبـــة والســخرية، واليــد تشــتهي اللمـس والبطــش والظـلـم، والأرجـل تشــتهي الـذهـاب الـي مكـان الفســاد، والفـرج يشــتهي مـا حـرم الله تبــارك وتعـالي.
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. ســورة النـور 24.
حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. ســورة فصـلت 20.
أمـا شــهوة الكــبر والعجــب وهـي مـن الشــهوات التـي لا ينتبــه لهـا كــثير مـن النـاس، فهـي ليســت شــهوة حســية لكنهــا شــهوة معنــوية، تفســد القلــب كالشــهوات الجســدية. وهـي أشــتهاء المـدح والثنــاء والتمـيز عـلي النـاس، فيصــير المشــتهي أســير لصــورته امـام الآخــرين، وهـذه الشــهوة تـوقـع بالانســان فـي الـريـاء والنفـــاق، والطـامة الكـبري ان البعـض يعتــبر هـذه الشــهوة فضــيلة وليســت معصيـــة.
وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا. ســورة الأســراء.
وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ. ســورة لقمـان.
الشــيطان لا يكــتفي ان يســقط الانســان فـي شـــهوة واحـدة، بـل يبنـي لـه منظــومة معقــدة مـن الشــهوات، يتهــاوي معهــا النظـام النفســي.
أكتــفي بهـذا القــدر ونكمــل فـي الأجــزاء القــادمـة ان شــاء الله تبــارك وتعــالي.
خـالـد عـبد الصــمد.
أضف تعليق