
الــوعـي والتـوقـع والغيـــب “الجــزء 36”:-
مـن عـلامـات الســاعة “العــلامـات الكــبري – الجــزء 6”.
مـع مـرور الـزمـن قـد تتكشـــف الحقــائق او بعـض منهـــا، فالضــباب قـد ينجــلي كليـــا او جزئيـــا والـواعـي العـاقـل هـو مـن يســتقرء ذلـك بحيــادية، وغالبــا الحيــادية هـي مفـاتيــح الأتــزان فعنــد غيـــاب الميـــل ينطـــلق المنطــق دون عـوائـق.
منــذ أيـام قليــلة تنــاول الأعـلام ووسـائل التواصــل أســتراتيجية الأمـن القــومي لـذات العمــاد “غـرب الأطلســي”، والتـي أصــدرها أشـــقر الـروم “المطــور العقــاري” فـي ديســمبر 2025م. قـد يكــون المعــلن مجــرد عـلامـات لجــذب الأنتبــاة ومـا فـي الغـرف المغلقــة أو الادراج شــئ آخـــر يتفــق أو يتنــافي مـع المعــلن.
ملخـص أبـرز مـا جــاء فـي هـذه الأوراق عـلي النحـو التـالي، الســياق العـام: الوثيقـــة يعتــبرهـا البعـض خـارطـة الطـريق لـذات العمـاد خـلال ولايـة أشــقر الـروم فـي شــئون الأمـن القـومـي والعـلاقـات الخارجيـــة “الحقيقــة ان الحكــومة العميقــة والتـي يمثلهـــا فـي العـلن أشــقر الـروم هـي مـن تنســق وتـدير والوثيقـــة مـا هـي إلا خطــوة، وفـي النتــائج ســيكون الموقــف الحقيقــي والمســـتتر، فمنـذ الحـرب العالميـة الثانيــة وأســقاط الأتحـاد الســوفيتي، عمـلاء وحلفــاء ونخــب ذات العمــاد ممســكين بكـافـة الخيــوط ومـن آن لآخــر يتـم أســكات هـذا وتفعيـــل ذاك لتنفيــذ الأدوار المطـلوبة لخـدمـة مصــالح ذات العمــاد دون غــيرهـا”. (السـياسـة ليسـت مجــالا للثوابـت الأخلاقيـــة وأن كـان هـذا هـو الوجهـــة، فهــي تتحــرك وفــق منطــق القــوة والقــدرة عـلى تحقيــق المكاســب، لا وفــق معيــار الحــق والعــدالـة. فـي السـياسـة البقــاء للمـاكـر فهــو مـن يحسـن إدارة النفـــوذ، وقـد يســتبعد مـن يملـك القيــم الأســمى.
والوثيقـــة تعكــس مبـــدأ ذات العمــاد أولا وفســرها البعـض ان ســياســة ذات العمـاد ســتركز عـلي مصــالحها الذاتيــة أولا دون غــيرهـا، هنــاك تضــارب فـي تـأويـل مـا جـاء فـي الوثيقـــة، مـن الجـائـز أنهـا ليـست نشــر نظــام عالمـي (الهيمنــة العالميــة)، وهكــذا تعــلن نهــاية دور ذات العمـاد كحـامي للعـالـم، الحقيقــة ان ذات العمــاد تعـلن وتقـــر بمبـدأ العنصــرية القطــرية، فـذات العمـاد لهـا المنـافع والمكاســب فقـط دون خســائر، فالخســائر للغــير، بـل أســتباحة أســتخدام القــوة للحصــول عـلي المبتــغي، ولا حقــوق لأحــد ســواء مـن الحلفــاء او الأعــداء فالكــل ســواء أمـام تحقيــق المصــالح، (ذات العمـاد لـن تتحمــل أعبــاء أمـن العـالـم أو دعـم الحلفــاء كمـا كـان فـي العقــود الماضــية ويســتثني مـن ذلـك مخلبهـــا فـي الشــرق الأوســط. الوثيقـــة قـد تكـون أشــارة ان ذات العمــاد مـازالـــت فـي الـريــادة، واليابســـة والمحطيــات حـق مكتســب لهـا، شــاء مـن شــاء وآبـي مـن آبــي، وذات العمــاد لهـا حـق المصــير للجمـيع دون حـق لأحـد مجـرد فكـرة الأقـتراب مـن شــئونها الداخليـــة أو الخارجيــة). وقـد يفســر ذلـك البعــض أن فـي طيــات ذلـك ان أحـاديـة القطــب لـم تعــد مجــدية، بـل أعــتراف مبطــن بصــعود أقطـاب آخــري كمنافـس مباشـــر لـذات العمـاد، وهـذا الـي حـد مـا قـد يعكـس الحقيقـــة، لكـن ســيتم عـرقـلة المنـافـس بشــكل غـير مباشـــر عـبر أذرع او حلفــاء او ما شــبه “أسـتخدام الـوكـالـة بشــكل أوســع”. ويـري البعـض ان ذلـك ضــمنيا العـودة الـي مبــدأ مـونـرو، بأعتبــار الجـزء الغـربي مـن العـالـم صــار بـؤرة أهتمــام ذات العمــاد، وقـد تكــون الحقيقـــة محـاولـة الحفــاظ عـلي العمـق الاســتراتيجي لتلاشــي أزمـة الصـواريخ الكوبيــة مـن قبــل، ولهــذا تـم أعــادة ترتيــب الأولـويـات لكـي تعــيد ذات العمـاد تفـوقهـا فـي الأمريكـيتين وطــرد المنافســين (الصــين خاصــة) مـن هـذه المنطقـــة، والحجــة المعلنــة التركــيز عـلي قضــايا الهجــرة الغـير نظـاميـة ومكـافحـة تجــارة المخــدرات (كـل مـن يخــرج عـلـي فكـــر ذات العمــاد فهــو متطــرف، مهمـــا كانـــت عرقيتــه او هويتــه، او معتقــده. ومـن يحـاول أســتخدام المنطــق عـند مخالفـــة هـذا الفكـــر، يتـم تكذيبــه ومجـادلـته وفـق منهجيــة مكــذوبة ليتــهم فـي النهــاية بالتطـــرف).
الوثيقـــة تـري أوروبــا فـي مـرحـلة أفــول حضــاري، وتـوجـه النقــد الـلاذع والأتهـام. قـد يكـون هـذا صــحيح لكـن بعـد مـا تـم أســتنزاف أوروبـا فـي الحـرب بالـوكـالـة، فالنخــب الأوروبيـــة تـديـن بالـولاء لـذات العمـاد فـي الخفـــاء، وبعـد أنتكاســة أوكرانيــا تـم أتهـام أوروبــا بالعــمي الأســتراتيجي أتجـاه مصــالح ذات العمــاد، وهـذا حـق أريـد بـه بـاطـل فأوروبــا أسـتسـلمت لقــرارات ذات العمـاد أقتصــاديا وأســتراتيجيا، فـأوروبـا أنصــاعت لـذات العمـاد دون غــيرهـا وخســرت الشــرق بشــكل عـام مقـابـل الأحتفــاظ بـذات العمـاد دون غــيرها “كـان مبــدأ أوروبــا ذات العمـاد أولا”. وكانــت الحـجج المعلنــة لأتهـام أوروبــا الهجــرة وأنخفــاض معــدلات الـولادة وتـراجـع الهـويـة وتـآكـل الديمقــراطية. بـل تـدعـو الوثيقــة أوروبـا التخـلص مـن النخــب التقليــدية، ودعـم تيــارات آخــري متوافقـــة مـع رؤيــة ذات العمـاد دون غــيرها. كمـا تـدعـم الوثيقـــة ضــرورة تحجـيم التوســع المســتمر لحلـف النـاتـو (غــير مجــدي)، وعـلي أوروبـا الأعتمـاد عـلي نفســها فـي الـدفـاع عـن نفســها، وفـي تقــديري هـذا تصــريح مبطــن بأســتدعاء القطــرية بـدلا مـن الأعتمـاد عـلي حـلـف النـاتـو (تصـريح مبطــن بالتخــلي عـن الأتحـاد الأوروبـي)، وقـد يكـون ذلـك مقــدمات لصــراع أوروبـي داخــلي.
الوثيقـــة تـري الصــين منافســـا أقتصــاديا، وتـري التركـيز عـلي الشــق الأقتصــادي فـي التعـامـل معهـــا (الأبتعــاد عـن الصــراع او الصــدام العســكري ولـو شــفهيا)، وتـري الوثيـقة منـع الصــراع العســكري حـول تـايـوان (أرجـاء مـا يســمي بالـردع العســكري) مـع الحفــاظ عـلي تفــوق تـايـوان العســكري كأولـويـة “حـرب بالـوكـالـة”، فـي حــين تـولي الوثيقــة أهتمــام للهــند كشــريك فـي مواجهــة النفــوذ الصــيني فـي منطقــة المحيــط الهــادئ “حـرب بالـوكـالة وخاصــة اقتصــاديا بهـدم أحـد أطـراف البريكـس”. وفـي تقــديري هـذا أعتــراف ضــمني بتفــوق الصــين أقتصــاديا وعســكريا، ومحـاولـة أيجــاد أذرع “وكـالـة” لكبـح التفـوق الصــيني بـديـلا عـن المواجهــة المباشــرة. بخـلاف التضــيق عـلي الصــين فـي التحالفــات مـع بعـض الـدول الأســلامية (كازاخســتان – تركمانســتان – قزغيرســتان – طاجكســتان – أذرابيجــان)، وفـي نفـس الوقـــت للتضــييق عـلي كـلا مـن أيـران وروســيا مـن جانــب آخـــر.
كمـا تعكـس الوثيقـــة تـراجـع الأهتمــام بالشــرق الأوســط وأفريقيـــا كـأولـوية أمنيــة كــبري، فالمنطقــة صــارت مجــرد شــريك أســتثماري وتجــاري، وأثـارة التخــوف مـن المنطقـــة كبــؤرة أزمـات مســتمرة، ممـا قـد يعــني ان سـياسـة ذات العمـاد اتجــاه المنطقـــة ســتكون موجهــة بالمصــالح الأقتصــادية، أمـا دور التـدخـل العســكري ســيكون للمخلـــب التقليــدي فـي المنطقــة (الـدولـة الملفقـــة). الـدولـة الملفقـــة ماضــيه فـي مخططهــــا وتحـديهــا المعــلن تــاره والغـير معـلن تـاره آخــري للـدول العربيــة والأســلامية الضــامنة لمـا تـم التوصـــل إليـه فـي مؤتمــر شــرم الشــيخ (مصـــر – الســـعودية – قطـــر – الأمــارات العربيـــة – تركيـــا – الأردن أندونيســيا – باكســتان)، هـذا بخــلاف محـاولات تفكـــيك لبنــان – ســـوريا – العـــراق، ويتضــح هـذا مـن مبعــوث أشــقر الــروم “تـوم بــاراك” عـن لبنـــان والعــراق عـلي وجـه الخصــوص.
فـي تقــديري وبمقتضــي مـا جـاء فـي الوثيقـــة، ان العـالـم سـينقسـم ويتصــدع وســيدخل فـي مـرحـلة مـا يســمي بالتطهــير الحضــاري، وان الغــرب يســـير نحــو انهــيار تاريخـي لا مهــرب منـه، والشــرق ينهــض فـوق أنقــاض القـوي التقليــدية، قـد يكــون هنــاك مواجهــة صــاروخية قصــيرة، يســتخدم فيهـا طـرف مـا قنبــلة نــووية تكتيكــية كرســالة للـردع وليـس للتدمــير، وأعتقــد ان العـالـم بعــد اســتخدام النــووي لـن يكــون كمـا كـان قبـــله.
فهــل هنــاك حــادث نــووي محــدود لتدمــير الثقـــة بيـن الـدول وبعضــها البعــض (أنحصــار الفـرات عـلي جبــل مـن ذهـــب والبـدايـة غالبـــا فـي القطــب الشــمالي)
فالمـوت لا يعــني نهــاية لكنــه ســيؤدي الـي ولادة حضــارة جـديـدة، لا تشــبه الماضــي الـذي ألفــه النـاس، فالحضــارة الجـديـدة هـي القـاطـرة المتجهـــة الـي نهــاية الـزمـن فمـا يســمي كـارثـة قـد يكــون بـدايـة لشــئ جـديـد أكــثر تطهــيرا مـن كـونـه دمــار، وظـن البعــض أنـه لـن يكــون (أنتهــاء الحكــم الجــبري وبـدايـة للخـلافـة عـلي منهــج النبــوة فـي العـالـم العــربي والاســلامي عـلي الأقـــل).
الشــرق الأوســط ســيكون قلــب الصــراع وروســيا والصــين ســـيتممدا فـي المنطقـــة، وســتتصاعد التـوتـرات فـي الخليــج العـربي والبحــر الأحمــر والأمــر كـلـه وفــق أرداة الله تبــارك وتعــالي. العـالـم صــار هشــــا أكــثر ممـا يبــدو، والخــوف أصــبح شــعورا عالميــا مشــتركا، والنـاس تترقــب شــرارة صــغيرة سـتتســبب فـي نيــران تلتهــم الجمــيع.
شــيخوخة الغـــرب الحضــارية صــارت أمـر واقــع، الثقــافة تضــعف، والقيمــة تتـراجـع، والتفــكك الأجتمـاعي فـي أزديــاد، والأزمـات الأقتصــادية تتفـاقـم.
هنــاك الكــثير مـن الأســئلة التـي تحتــاج الـي أجـوبـة، ومـن لا يجــد الأجـابـة يبتــدع مـن الخيــال والتخمــين الأجـوبـة، بعضــها وفـق الأهــواء والمصــالح، والبعـض الآخــر يبحــث عـن الأجـابـة فـي التـاريخ والجـاري مـن الأحــداث، مـع أســتخدام الـروابـط المنطقـــية حـتي وأن كانـــت الأجـابـات يعتقــدها البعـض أنهـا مســتحيلة. الـواعـي العـاقـل يـدرك ان التراكمــات الصـــغيرة مـع مــرور الـزمـن قـد ينجــم عنهـــا أنفجـــارات ضــخمة (أزمـات أقتصــادية – صــدامات سـياســية / عســـكرية) وجميعهــا قـد تتقــاطع فـي نقطــة واحــدة، والمنـاطق الـرمـادية غالبــا مـا تقــود الـي أمـاكـن أكــثر ضــبابية أو مظلمــــة.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
أضف تعليق