
في حضرة النور… حين يقترب يوم الجمعة:
يا صاحبي
نحن الآن في المدينة
حيث التراب ناعم ككف أم تهدهد طفلها
وحيث النخل يكتب الشعر على صفحة السماء
الريح تمر على وجوهنا
كأنها دعاء أم في السحر
والآذان يعلو من مسجد رسول الله
كأنه ناي من نور
ينادي الأرواح قبل الأجساد
غدا الجمعة
وغدا سنمشي حفاة إلى الصلاة
نحمل في قلوبنا سورة الكهف
وفي أعيننا دمعة شوق
لوجه لم نره
لكننا نراه في كل شيء
الصحابة يمرون أمامنا
أبو بكر يبتسم كأنه يعرفنا
وعمر يخطو بثبات كأنه يحرسنا
وعلي يحدق فينا
كأنه يقرأ ما في صدورنا من حنين
غدا الجمعة
وسنصلي خلف الحبيب
سنسمع صوته وهو يقول
استووا إعتدلوا
فنرتجف كأن الملائكة مرت من بيننا
يا صاحبي
في هذا الزمن النقي
لا نحتاج إلى ساعات نضبط بها مواعيدنا
القلوب تعرف متى يحين اللقاء
ومتى تفتح السماء أبوابها
وغدا حين تشرق الشمس على المدينة
سنمشي في دروبها كما تمشي الأرواح في الحلم
نحمل في صدورنا سلاما
وفي أيدينا سبحا من نور
الأسواق تستعد
والأبواب تفتح على مصراعيها
والأطفال يركضون خلف ظل النخل
كأنهم يطاردون الفرح
في الزاوية
رجل ضرير يبتسم
يقول أنه سمع صوت النبي البارحة في المنام
وأنه سيجلس اليوم عند باب المسجد
ينتظر أن يمر عليه
النساء يخبزن الخبز
ويعطرن البيوت بالمسك والرضا
والرجال يغسلون وجوههم
كأنهم يغسلون أعمارهم
غدا الجمعة
وغدا سنكون أقرب إلى السماء
من أي يوم مضى
سنسمع الخطبة
كأنها نهر من الحكمة
يتدفق من فم الحبيب
ويغسل قلوبنا من غبار الدنيا
يتحدث عن الرحمة
فننظر إلى بعضنا
كأننا نعتذر عن قسوة الأيام
يتحدث عن الصدق
فنخفض رؤوسنا
كأننا نخجل من كذبة عابرة
ثم يسكت
ويسود المسجد صمت يشبه السجود
كأننا جميعا ننتظر أن ينزل الوحي
أو أن تفتح السماء أبوابها
ويطل منها جبريل
يا صاحبي
في هذا الزمن
لا نحتاج إلى دليل
فكل شيء يدل على الله
وكل طريق يؤدي إلى النور
غدا الجمعة
وغدا سنعود إلى بيوتنا
بقلوب مغسولة
وأرواح خفيفة
كأننا ولدنا من جديد
وغدا
حين تغرب الشمس
سنشعل قناديلنا
ونحكي لأطفالنا
إننا صلينا خلف رسول الله
وإننا سمعنا صوته
وإننا كنا هناك
وهكذا يا صاحبي
ينقضي يوم الجمعة كما تنقضي نسمة عابرة
لكن أثره يبقى
يبقى في القلب سكينة
وفي الروح طمأنينة
وفي العين دمعة لا تجف
نعود إلى بيوتنا
نحمل في صدورنا دعاء الإمام
ونحمل في أكتافنا نورا
وفي خطواتنا يقينا
إننا كنا في حضرة النبوة
ولو للحظة
نغلق الأبواب
لكننا نترك النوافذ مشرعة
عل نسمة من ريح المدينة
تمر وتهمس لنا
أن الخير لا يزال ممكنا
وان النور لا يغيب
نمضي إلى ليلنا
وفي القلب وعد
أن نعود في الجمعة القادمة
بقلوب انقى
وخطى أثقل بالإيمان
سلام على المدينة
وسلام على من مشى فيها
وسلام على من صلى معنا
وسلام على من قال لنا
أن الله لا يضيع من أحسن عملا
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد
عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون
ليلة الجمعة ويوم الجمعة.
من ديوان:يوم الجمعة
الأديب:محمد نورالدين
أضف تعليق