

الـوعـي والقضــاء والقــدر (1).
قـال الله تبـارك وتعـالي فـي كتـابة الكـريـم (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا. ســورة الأحـزاب 72)، يتضـح مـن الآيـة الكريمـة ان الإنســان هـو مـن اختـار تحمـل الأمـانـة فـي الـوعـي والارادة. لـذا الإنسـان مخــير فـي أمـور حيـاتية سـواء النفسـية او فـي أفعـاله الظـاهـرة، وقـال الله تبـارك وتعـالي فـي ذلـك (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا. سـورة الكهـف 29).
هنــا نجـد ســؤال يطـرح نفســه مـا هـو الفــرق بيـن القضــاء والقــدر؟.
فـي ضــوء المفـاهـيم الجـوهـرية فـي عقيـدتنـا الغــراء، يلـزم تـدبر المـراد مـن الكلمتيــن.
بتـدبر كلمـة القضـاء فـي كتــاب الله رب العالميـن، نجـد ان المعـني العـام يشـير الـي حكـم الله وأمـره للنـاس، مـع منحهـم الاختيـار فـي تنفـيذه مـن عـدمـه “ســورة الأحـزاب 72”.
الدنيـا دار أبتـلاء وهـذا هـو عـين الأختيــار “سـورة الكهـف 29″، وعـلي هـذا الاسـاس يكـون الحسـاب والجـزاء.
قـال الله تبـارك وتعـالي (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. سـورة الأسـراء 23)، وفـي هـذه الآيـة أمـر الله تبـارك وتعـالي بأمـرين ” أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”. الـواقـع ان كـل النـاس لا تعـبد الله رب العالميـن، وليـس كـل النـاس تحسـن وتبــر بوالديهـا. وفـي هـذا القضــاء الاختيــار والجـزاء ســيكون يـوم الحســاب “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. سـورة البقـرة 256”.
ويتــأكـد هـذا المعـني فـي ســورة النسـاء (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. سـورة النسـاء 65)، فالرســول صـلي الله عليـه وســلم قضـي بمـا قضـي بـه الله رب العالميـن فـي الكتـاب، ولهـم بعـد ذلـك ان يتبعـوا فيســلموا، او لايتبعــوا وعليهـم وزر مـا اقتــرفوا، فالأمـر الإلهـي واضـح هـو ان يسـلموا لحكـم الله تسـليما.
وهكـذا يتضـح ان القضـاء هـو أمـر مـن الله رب العالمـين، منـوط بأختيـار النـاس فـي الطـاعة او المعصـية.
قـال الله تبــارك وتعـالي (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. ســورة الأحـزاب)، القضـاء يفـرض الطـاعة عـلي المؤمنيـن والمؤمنـات أختيــارا وليـس اجبــارا، ولهـم الخـيره فـي أمـرهـم، فمـن يطيـع فلـه الحسـني ومـن يعصـي فقـد ضــل. ومـع قضــاء الله تبـارك وتعـالي لا خيــار للمـومنيـن فيـه وعليهـم التنفـيذ (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. سـورة البقـرة)، ومـن عصـي هـذا القضـاء فعليـه وزره بمـا أقـترف مـن عصــيان (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ. سـورة النـازعـات)
لـو كـان القضـاء اجبــارا لمـا كـان هنـاك عصـيان يـؤدي الـي ضـلال. أمـا قضـاء الله رب العالميـن فيمـا يتعـلق بغــير الثقليــن، فهـو أمـر واقـع ونـافـذ لا محـالـه، المخلـوقـات الغـير مكلفــه (الارض – السـماء – وغـيرهـا مـن النجـوم والكواكـب والطيـور والحيـوانات)، يطيعـون الله مـا أمـرهـم وهـذا يتجـلي فـي سـورة البقـرة وسـورة هـود.
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. سـورة البقـرة 117.
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. سـورة هـود 44.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ. سـورة الأنعـام 2.
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. ســورة الأنعـام 60.
هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. سـورة غـافـر 68.
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. سـورة الـزمـر 42.
فـي الآيـات السـابقة القضـاء متعـلق بالمـوت والحيـاة، وهـذا أمـر إلهـي لله الـواحـد الأحـد لا شــريك لـه، فالله هـو واهـب الحيـاة وهـو مـن يقضـي بالمـوت “أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا. ســورة النسـاء 78”.
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. ســورة البقــرة 210. القضــاء هنـا لله وحـده لا شـريك لـه، والقضـاء نـافـذ لامحـاله، والأمـر كـله لله وحـده.
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. ســورة مـريـم 35.
القضـاء متعـلق بالله تبـارك وتعـالي، فالله ليـس كمثـله شــئ، وهـو يـدرك الأبصـار ولا تـدركـه الأبصــار، وهـذا قضـاء إلهـي لا خيـار فيـه.
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا. ســورة طـه 114.
القضـاء هنـا متعـلق بـوحـي الله سـبحانه وتعـالي، وهـذا قضـاء إلهـي لا خيـار فيـه، فالله هـو مـن يـأذن بمـا يشـاء ووقتمـا يشــاء وكيفمـا يشــاء.
قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. ســورة آل عمـران 47.
القضـاء هـنا متعـلق بخـلق نبـي الله عيسـي عليـه السـلام، بـلا أب وهـذا مخالـف للســنن المتعـارف عليهــا (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ. سـورة آل عمـران 59).
فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. ســورة القـصص 29.
القضــاء فـي هـذه الآيـة متعـلق بأختيــار نـبي الله موسـي عليـه السـلام، فكـان الاختيـار لنبي الله موسـي عليـه السـلام بالقبـول او الرفـض (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ. سـورة القـصص).
وفـي الجـزء القـادم ســيكون التعريـف بالقــدر مـن واقـع مـا جـاء فـي كتـاب الله.
أكتفـي بهـذا القـدر ونكمــل فـي الجـزء القـادم ان شـاء الله تبـارك وتعـالي.
خـالـد عـبد الصـمد.
أضف تعليق