في إنتظـار العام الذي يشبهنا:
ها هو العام يتهيأ للرحيل 
يحمل حقائبه المملوءة بالضحك المؤجل 
والأحلام التي لم تكتمل 
ينظر إلينا من خلف زجاج الأيام 
ويبتسم كمن يعرف كل أسرارنا 
ولا يبوح
في العام القادم 
لا نريد معجزات كبرى 
نريد فقط قلوبا تشبه النوافذ 
تُفتح للنور 
وتغلق في وجه الظلمة
نريد عاما 
لا يشبه من سبقوه 
لا تُطعن فيه قلوبنا من ظهورها 
ولا نضطر فيه لتجميل جراحنا 
لكي لا نبدو ضعفاء
نريد عاما 
تسير فيه الأيام برفقة الله 
بخطوات مطمئنة 
وصدور فارغة من الحقد 
وممتلئة باليقين
نريد أن نعود إلى فطرتنا 
نحمل في جيوبنا 
دعاء لا يشيخ 
وحلما لا ينام 
وبقايا طهر لم تلوثه الخيبات
في العام القادم 
نريد أن نكون أكثر إنسانية 
أقل صراخا 
أقل وهما 
أقل قسوة
نريد أن نؤمن 
أن السجود يختصر الطريق 
وأن من سار مع الله 
لا يضيع
في العام القادم 
نريد أن نتمسك بكتاب الله 
كما يتمسك الغريق بخشبة نجاته 
ونتبع خطى نبينا 
بصدق من عرف قيمته 
لا من ورث إسمه
نريد عاما 
نحب فيه بقلوب مطهرة 
نسامح دون أن نذل 
نبتسم رغم التعب 
وننشر السلام كأنه عبادة
نريد عاما يشبهنا 
يشبه نقاءنا الذي خذلناه 
يشبه حنيننا لما هو أطهر 
ولما هو أبقى
فاللهم عاما 
نصل فيه إليك 
قبل أن تنتهي الطرق 
وقبل أن تذبل أرواحنا 
من طول الإنتظار
عام ينسحب كظل خائف من الضوء 
عام تناثر بين أصابعنا 
كما تتناثر الأيام التي لم نعشها 
والكلمات التي لم تقال 
والأحبة الذين غادروا بصمت 
كأنهم لم يمروا بنا
لا نريد أن نحصي الخسائر 
ولا أن نفتح دفاتر الوجع من جديد 
نحن فقط نريد أن نحيا 
أن نستيقظ في صباح لا يشبه البارحة 
نريد أن نؤمن بأن القادم يحمل ماءً للظمأ 
وضوءاً للذين ظلّوا في العتمة طويلاً
في العام القادم 
نريد أن نغسل أرواحنا من غبار التوتر 
أن نعيد ترتيب قلوبنا 
ونكتب على أبوابها: 
هذا القلب لا يسكنه إلا السلام
نريد أن نعيش في ظل الله 
لا في ظلّ أوهامنا 
نريد أن نصمت حين يكون الصراخ عبثا 
وأن نتكلم حين يكون الحق مصلوبا
نريد أن نتمسك بكتاب الله 
كما يتمسك الطفل بأصابع أمه 
وأن نحب نبيّنا 
لا كما يحب المشاهير 
بل كما يحب العارفون النور
في العام القادم 
نريد أن نتوقف عن جلد أنفسنا 
أن نتصالح مع ماض كان ضروريا 
لنفهم قسوة الحاضر 
ونتعلم كيف نضيء المستقبل
نريد أن نفتح نوافذنا للهواء النقي 
للمصافحة النظيفة 
للعناق الذي لا يطلب مقابلاً 
للكلمة التي تشبه الماء في عطش القلوب
نريد أن نحمل معنا ما يستحق فقط 
إيمانًا لا يخفت 
حلماً لا يتآكل 
سلاماً لا يُقهر 
ونبدأ من جديد 
كما لو أننا نولد أول مرة 
لكن بقلوب فهمت الدرس.
عام يمضي كما يمضي العابر في ليل لا يعرفه 
يترك خلفه أوراقا مبتلة 
رسائل لم تقرأ 
ودموعا لم يعترف بها 
يمضي متثاقلا كشيخ تعب من الذاكرة 
ولا يلتفت
ونحن 
نقف على حافة الوقت 
نحمل ما تبقى من الحنين 
نلمّ شظايا الأمل من أرضٍ إنهالت عليها خيبات كثيرة 
ننظر إلى العام القادم 
كما ينظر الناجون إلى شاطئ بعيد 
لا نطلب معجزة 
لكننا نطلب قلبا لا يخاف 
ويدا لا تخون
نريد أن ندخل عاما جديدا 
لا نجرجر فيه أحقادنا القديمة 
ولا نعيد نشر الغبار فوق أرواحنا 
نريد أن نكون أنقياء 
كما ينزل المطر على شرفات اللهفة 
نريد أن نغسل ضجيجنا 
بصمت الإيمان
على بوابة العام الجديد 
نشدّ على المصحف 
كما يشد الجريح على موضع الألم 
نقرأه لا كواجب 
بل كطوق نجاة 
نتشبث بسنة نبينا  سيدنا محمد صل الله عليه وسلم
كما تتشبث نجمة يتيمة بالسماء 
ونمضي
لا نريد أن نكره 
ولا أن نحقد 
ولا أن نحمل في قلوبنا غير السلام 
نصفح لأن الله أمرنا 
ونتسامى لأننا أقوياء بالرحمة
نتعلم من العام الماضي 
أن القلب حين يُكسر 
يعلمنا أن نحب بذكاء 
أن نختار بعين تبصر 
لا بعين تشتاق
نؤمن أن التفاؤل ليس وهما 
بل قرار نعيشه 
وأن الخير بيد الله 
فلا نهاب المجهول 
ولا نركع للأيام إن قست
نبدأ عاما جديدا 
بقلب أكثر إتزانا 
وروح أكثر وضوحا 
ونكتب أول سطر فيه 
بأسمك يا الله 
لعل الكتاب لا يغلق إلا على رضاك
عام ينسحب من تحت أقدامنا بصمت 
كأنه لم يكن 
يترك خلفه صورا باهتة 
وأصواتا إنطفأت 
وعناقا تأخر 
وقلبا ظل معلقا على حافة رجاء
نمشي خلفه كأننا نمشي خلف جنازة مؤجلة 
نرثي لحظات لم نعرف قيمتها 
ونتلو على أرواحنا سورة الندم
لكننا لا نحمل الحزن معنا 
نضعه على رصيف الماضي 
ونمضي بأمل لا يخجل من إنكساراته
فالعام الجديد لا ينتظر مناديلنا 
ولا دموعنا المرتبكة 
بل ينتظرنا نحن 
بقلوب تعلمت 
وعقول لم تعد تنكسر بسهولة
سنتقدم نحو القادم 
لا نطلب منه أن يكون سهلا 
بل نطلب من الله أن نكون أقوى
نمسك بكتاب الله كما يمسك الغريق بخشبة الخلاص 
نستضيء بسنة سيدنا محمد صل الله عليه وسلم
نحملها في قلوبنا نورا 
وفي كلماتنا ميزانا 
وفي خطواتنا يقينا 
لأن الطريق بدون وحي… تيه 
والحياة دون إيمان… عتمة لا تنتهي
سنتسامح لا لأننا ضعفاء 
بل لأن الطهر أقوى من الحقد 
سننشر السلام كما تنشر الشمس دفأها 
نحمله على أكتافنا 
ونزرعه في لغة الأطفال 
وفي نظرات الأمهات 
وفي بيوت أنهكها الغياب
سنتعلم من أخطائنا 
لا ندفنها بل نفهمها 
نحفر أسماءها في ذاكرتنا 
لئلا نعيد الوقوع في ذات الحفرة
لن نتشاءم 
حتى لو تكالبت علينا المواسم 
فالخير لا يأتي من الحظ 
بل من الله 
ومن ظن بالله خيرا 
رأى النور حتى في عتمة الجرح
في العام القادم 
نريد قلوبا لا تتكسر بسهولة 
وأرواحا لا تعيش نصف حياة 
نريد إيمانا لا يُساوم 
وسلاما لا يقايض 
ونريد أن نكون نحن 
لكن في نسختنا الأجمل
نسخة رضيت بالله ربا 
وبالإسلام دينا 
وبمحمد صل الله عليه وسلم نبيا ورسولا
فأزهرت حتى في عز الشتاء.

الأديب:محمدنورالدين محمد

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ