

الـوعـي ومصـالحة النفـس.
النفـس غالبـا مـا تنـادي صـاحبها، تقـف عنـد عتبـة غـير مرئيــة تترقـب قـدوم صـاحبها، تنـادي صـاحبها للابتعـاد عـن الضـجيج والفوضـي، وللمواجهـة الحتميـة مـع الـذات. الحديـث مـع النفـس لا يتعـلق بالمكاسـب المـادية، بـل يتعـلق بالقيمـة الإنسـانية. الحديـث مـع النفـس محـاولة لإيجـاد شـئ عميــق، لا يصـدأ مـع الوقــت وينحـت بالـوعـي والصــبر، لا حديـث عشــوائي ممـلؤ بالفوضـي والضـبابية.
الفـرق شـاسـع بيـن الـراحـة والطمأنينـة، الـراحـة هـروب مـن الـواقـع والأنغمـاس فـي زينـة الحيـاة الدنيــا، أمـا الطمـأنينة هـي القـدرة عـلي الـوقـوف بثبـات وسـط الفوضـي، دون طلـب للعـون.
الجـوهـر الـداخـلي فـي حـاجـة دائمـة إلـي التطــور، وفـق الأطـوار العمـرية، وهـذا التطـور يصـنع الحصـون التـي تحمـي النفـس، والبسـاتين التـي تـؤتي بثمـارها فتـزدهـر النفـس. هـذا هـو الـدرع الـذي يقـي النفـس مـن فوضـي الواقـع والقطيـع.
الحـوار الصـامت مـع النفـس هـو مفتـاح الطمـأنينـة، فهـذا الحـوار يـزيـل تشـابك الأفكـار والمخـاوف المتراكمــة فـي الـذاكـرة، والتـي تحـول العقــل إلـي دهاليــز مزدحمــة وضـبابية، تعـلو فيهـا الأصــوات المتداخـلة
الخـلوة بالنفـس ضــرورة يـوميـة للتـدبر والتـأمـل وتصـفية الحسـابات، وقـد تكـون الـورقة هـي الصـديق الـوفي، الـذي لا يخـون ولا يكـذب، بـل هـي وسـيلة أفـراغ الأفكـار، ومـع الأفـراغ يتـم ترتيـب الأولـويات. وقـد يتـم ألغــاء مـا لا جـدوي منـه.
الفكـرة عـلي الـورقة تخلـص مـن هيمنتهـا عـلي النفـس، فيتـم التعـامل معهـا وفـق الأهميـة، دون فوضـي تعـتري النفـس، فتحيـد بالمـرء عـن الحيـادية. الطـبيعي أن المـرء لا يملـك السـيطرة عـلي الأحـداث فـي المحيـط، بينمـا المـرء يملـك السـيطرة الكاملـة عـلي أحكـامه ومواقفــة أتجـاه هـذه الأحـداث. الكتـابة ليسـت تسـجيل للتاريـخ، بـل هـي صـناعة للحاضـر وفـق قـرارات واضـحة، دون إســقاط الفوضـي عـلي المحيــط. فالكتـابة قـد تكـون الجـراحة اليوميــة، لاســتئصال القـلق والتـوتر والخـوف، والعـودة إلـي النفـس السـوية السـليمة ورب العـرش العظـيم.
الحكـيم هـو يمتـلك زمـام المبـادرة، ولا يجتهـد ليكـون هـدفـه الأنتـاجية المفـرطة رأسـماليا، ولا يخضـع للرغبـات الجسـدية وزينـة الحيـاة الدنيــا، والتـرف فـي التكنـولوجيا ليصــير أســير العبـودية الرقميـة. هنـاك غـايـات أســمي هـي الصـلاح والأصـلاح لتحقـيق مشـروع الاســتخلاف العظـيم.
الـواعـي هـو مـن يـدرك أن مـن لا يعــاني طـوعـا، ســيعاني كـرهـا وقهــرا. تعريـض النفـس للمشــقة ليـس تعذيــب لهـا، بـل تهذيـب وتدريــب لهـا بالصـبر عـلي المشــاق والبـلاء، لتحقـيق الغـاية الأسـمي فـي أرتقــاء النفــس. يجـب ترويـض الجسـد حـتي لا يتمـرد عـلي النفـس، فـي أبتغـاء الرفاهيــة دون غـيرها، ويجـب ترويـض النفـس حـتي لا تـؤرق الجـوارح، بأغـراء الجســد بحـب الشــهوات. وهكـذا يمكـن الخـروج مـن عبـادة الملـذات داخليـا وخارجيــا، المشـقة المختـارة هـي الـدرع الـذي يحمـي النفـس مـن مشـقة الحيـاة الإجبـارية.
الحيـاة بـدون هـدف تصـبح كالبحـيرة الـراكـدة، والأهـداف السـامية هـي المحـرك للتجـديد والأنمـاء. الأهـداف هـي التحـديات التـي يتـم السـعي لتجـاوزها، لتحقـيق الأزدهـار للنفـس والغــير، وهـذا هـو العمـل الصـالح والصـراط المسـتقيم.
الأهـداف السـامية تعطـي المعـاني والمضـامين، حيـن يشــعر المـرء بالضـيق والضــجر، وهـذا هـو النمـو الحقيقــي والتـرياق ضـد اليـأس والأنـدفـاع الفوضـوي. البنـاء البطـئ المتقـن هـو مـن يصـنع ويشـيد الصـروح الشـامخة، والصـبر هـو عمـلة التمــيز.
ولكـي لا تحيـد النفـس عـن الصـراط المســتقيم، يجــب تـذكـر المـوت وهـو منبـع النــور. المـوت هـو وضـع كـل الأهـداف فـي نصـابها الصـحيح. المـوت حقيقــة حاضـرة فـي كـل زمـان ومكـان، المـوت رفيــق لكـن يصــاحب إلـي أجـل مســمي.
هـذا ليـس دعـوة للحـزن واليـأس، لان المـوت هـو المـانح للوضـوح، لأدراك أن الحيـاة الدنيــا قصــيرة مهمـا طالـــت، لـذا لا داعـي للأنشــغال بالتفـاهات والجـدال الغـير مجـدي. المـوت هـو مـن يغيـــر السـلوك مـن الأســوء إلـي الأحســن، فالحيـاة منحــة وليســت حقـا مكتســبا، فالمـوت هـو البوصـلة نحـو الجـوهـر الحقيقـي والفطـرة السـليمة.
لا أحـد ســيأتي ليخـلص المـرء مـن نفســه، ولا أحـد ســيمنح المـرء الانضـباط والحكمــة، دون عمـل المـرء للحصـول عليهـا. ومـن يتعثـر عليـه النهـوض ليكمـل المسـيرة بابتســامة هـادئة، العقـبات جـزء من الطـريق، والواعـي عليـه الحـذر دائمـا. قـد يتعــثر لكنهـا ليسـت النهـاية، بـل بـدايـة لخطـوات أخـري قـد تكـون أكـثر ثبــاتا.
خـالـد عـبد الصــمد.
أضف تعليق