

الـوعـي ومفـاهـيم ومضـامين الشـرك (1).
قـال الله تبـارك وتعـالي (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. ســورة ص 29)، القـرآن الكـريـم يحتـوي عـلي التوســع فـي المعنـي، وعـلي ســبيل المثـال يـؤتـي بتعــبير يحتمـل أكـثر مـن معــني، وهـذه المعـاني كلهـا مـراده فـي كتـاب الله. مفهـوم التوســع لـه أســباب ودواعـي لكـي يتـدبر الجميـع، وفـق علـومه المتـاحة بمـا لا يتعـارض مـع المنهـج والتكلــيف (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ. سـورة القمـر 22).
مـن واقـع تـدبر كلمـات كتـاب الله رب العالميـن نجـد أن هنـاك الإيمـان الشـخصي او الإيمـان اللازم وهـو أن يبقـي أثـر الفعـل مـلازم للفـاعـل ولا يتعـداه الـي المفعـول بـه (الغــير)، وهـو إيمـان قـد يكـون بـلا عمـل، لـذا هـو إيمـان منقـوص كـونه لا يتخطـي الغيــر ولا يمتـد الـي المجتمـع للاصـلاح. وهنـاك مـا يسـمي بالإيمـان المعتــدي، وهـو أن يتعـدي أثـر الفعـل مـن الفـاعـل إلـي المفعـول بـه (الغـير)، وهـو الإيمـان المحمـود ويحمـل فـي طيـاته الإيمـان اللازم، والإيمـان دائمـا وأبـدا مرتبـط بالعمـل لاصـلاح المجتمـع لنشــر الفضـيلة والصـلاح والسـلام.
وهنـا يتبـادر إلـي الذهـن هـل هنـاك شـرك لازم وشـرك متعـدي؟.
الجــذر اللغــوي لكلمــة “الشــرك” هـو “ش ر ك”، ويحمـل معـاني متعــددة مثـل المشـاركة، والمخالطـة، والنصيـب، وجعـل الشـيء مقسـوما بيـن اثنيـن أو أكثــر. كمـا يشـمل معــاني الريـاء فـي العبــادة(النفـاق) والمكيـدة أو المصــيدة (الشّــَرَك).
أشــرك فعـل متعـدي للغــير (أفـرح – أسـعد – أحــزن)، أمـا شـرك هـو فعــل لازم.
المعـني الـدارج او السـائد للشـرك هـو الشـرك بالله، والقـرآن الكـريم لـم يســتخدم لفـظ الشـرك مـع الله نهائيــا، بـل جـاء بصـيغ آخـري، بينمـا الـوارد دائمـا بصـيغة الشـرك بالله. الأمـر محسـوم فلا شـريك لله رب العالميـن فـي الملـك ولا فـي أي شــئ. وهـذا واضـح بجـلاء فـي تـدبـر كلمـات الله تبـارك وتعـالي.
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. سـورة آل عمـران 26.
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. ســورة الحشـر.
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ. ســورة الأنبيـاء.
أمـا شـارك فهـي لهـا معـني أخـر، فهـي علاقـة بيـن طرفيـن عـلي الأقـل، ولـم تـأتي فـي القـرآن الكـريم إلا مـرة واحـدة (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. سـورة الأسـراء 64). وفـي الآيـة الكريمـة المشـاركة بيـن الشـيطان ومـن قبـل بشــراكته (ولـي الشـيطان)، وفيهـا القبـول والتراضـي بيـن الطرفـين. وفـي الآيـة أن ابليـس لا يتخــذ القـرار نيـابة عـن المـرء، بـل بالمشـاركة دون إكـراه او اجبـار، فمـن اتبـع الهـوي باتبـاع ابليـس ومشـاركته فـي الضـلال، ومـع هـذه المشـاركة يقـع العقـاب والجـزاء.
الله تبـارك وتعـالي يغفــر الذنـوب جميعـا إلا الإشــراك بـه، وذلـك فـي الإنكـار او اتخـاذ وســطاء (انـدادا) وغـيرها.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا. سـورة النسـاء 48.
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. سـورة لقمـان 13.
أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ. ســورة الـزمـر 3.
وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا. سـورة نـوح 23.
الله سـبحانه وتعـالي ضـمن حريـة العبـادة وحـرية العقيـدة للجميـع، وفـي هـذه الضـمانة تأميـن للديـن مـن دخـول المنافقـين إلـي العقيـدة، وهـم أخطــر عـلي العقـيدة مـن الكـافرين والمنكـرين.
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. ســورة الحجـرات.
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. سـورة البقـرة 256.
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ. سـورة التـوبة 6.
وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا. سـورة الكهـف 29.
وكذلـك قـال الله تبـارك وتعـالي فـي الاختـلاف فـي المعتقـد المـللي، لو شـاء الله رب العالميـن لكـان النـاس جميعـا أمـة واحـدة (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. ســورة هـود).
فالمسـلم قـد يقـع فـي الشـرك دون أدراك، وذلـك عـندما يجـبر غـيره عـلي عبـادة الله تبـارك وتعـالي، دون اختيـار للطـرف الآخـر فـي القبـول مـن عـدمـه. الله تبـارك وتعـالي يـأمـر بالـدعـوة ولا يحـب الأجبـار، فالله غـني حمـيد عـن عبـاده وعـن ســائر خلقـه.
ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. سـورة النحـل 125.
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. ســورة القـصص 56.
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ. سـورة يونـس 108.
قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ. سـورة الأنعـام 104.
الله تبـارك وتعـالي لا يحـب الإكـراه والأجبـار حـتي فـي عبــادته، فـي الأجبـار والإكـراه النفــاق، عبـادة الله فـي الظـاهـر والإنكـار في البـاطن.
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. ســورة آل عمـران.
الشـرك العقـائدي (الشـرك اللازم) يختلـف أختـلاف كـلي وجـزئي عـن الشـرك المتعـدي او الشـرك الاجتمـاعي، والـذي فيـه اجبـار للغــير ســواء عـلي عبـادة الله رب العالميـن، او الغـش فـي التجـارة والصـناعة واشـاعة الفواحـش وغـيرها.
أكتفـي بهـذا القـدر ونكمـل فـي الأجـزاء القـادمة أن شـاء الله تبـارك وتعـالي.
خـالـد عـبد الصــمد.
أضف تعليق