

الـوعـي ومفـاهـيم ومضـامين الشـرك (4).
فـي الجـزء الســابق تـم توضـيح ان المشـرك ذاتيــا يشـهد ان مـع الله تبـارك وتعـالي آلهـة أخـري، او ان يجعـل مـع الله تبـارك وتعـالي آلهـة أخـري، او يـدعـو مـع الله تبـارك وتعـالي آلهـة أخـري. وجميعهـا شـرك وفسـاد فـي العقيـدة الذاتيــة للمشـرك. الشـرك الـذاتي مـا لـم يتخطـي المشـرك الـي الغـير، فالمشـرك احتفـظ بهـذا المفهـوم لنفسـه، ولـم يطـال تأثيـرة الآخـرين. وقـال الله تبـارك وتعـالي فـي ذلـك (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. سـورة يـس). الله سـبحانه وتعـالي يحاســب ويجـزي عـلي الأعمـال، وقـد يعفــو عـن الأثـم برحمتـه فهـو الغفـور الرحـيم. لـذا الكـل محضـرون، أي حضـور ألـزامي دون تخلـف (محضـر رغمـا عنـه)، وهـذا يختـلف عـن الحضــور، فالحضـور يكـون وفـق الأرداة دون إرغـام. والجـزاء وفـق العمـل وقـال الله عـز وجـل فـي ذلــك.
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. سـورة الـزخـرف 72.
فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ۖ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. سـورة السـجدة 14.
وفـي هـذا الجـزء محـاولة لتـأويل مفهـوم الكفـر بالله، المفهـوم الـدارج هـو إنكـار الـذات الإلهيـة، لكـن فـي الكفـر أيضـا الشـرك، وهـي عبـادة معبـود آخـر مـن دون الله رب العالميـن.
وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ. ســورة غـافـر.
فـي هـذه الآيـات يظهـر التشـابك فـي الكفـر والإشـراك، وفـي الآيـة يتضـح كيـف يمكـن نفـي وجـود الله (أكفـر)، وإثبــات وجـود الله مـع الإشـراك بـه فـي (أشــرك).
وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. ســورة ســبأ 33.
وهـذه الآيـة تحمـل نفـس المعـني، فالذيـن أسـتكبروا أمـروا الـذين أســتضعفوا بالكفــر والشـرك بجعـل أنـدادا لله. نفـي وجـود الله (نكفـر)، وإثبـات وجـود الله مـع الإشـراك فـي (نجعـل لـه أنـدادا). الكفــر هـو الإنكـار والتغطيـة والجحـود، امـا الشـرك هـو عـدم الإنكـار مـع اتخـاذ أخـرين شــركاء.
وفـي تـدبر سـورة الـزمـر وسـورة البقـرة يتضـح المعـني الشـمولي للكفــر.
وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ. سـورة الـزمـر 8.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. سـورة البقـرة 161.
وقـد جـاء أيضــا فـي وصـف الكفـــر “إنكـار وجـود الله تبـارك وتعـالي”.
قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ. سـورة الأنبيـاء 66.
قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. ســورة المـائدة 76.
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. ســورة غـافـر 66.
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۚ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. سـورة الأنعـام 56.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ. سـورة الأعـراف 37.
الـدعـوة مـن دون الله رب العالميـن هـي الكفــر، وهـي إنكـار وجـود الله تبـارك وتعـالي، ويطـلق البعـض عـلي الإلحـاد بالشـكل الـدارج دون المعـني الحقيقـي.
معـني ومفهـوم ومضـمون الكفـر يتضـح أيضـا فـي سـورة النمـل.
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ. ســورة النمـل 24.
هـؤلاء القـوم يسـجدون للشـمس مـن دون الله، أي أن الله رب العالميـن غـير مـوجـود فـي ســلوكيات حيـاتهم وسـجودهم، فهـم قـوم منكـرون للـذات الإلهيـة وليـس مشـركين بـه، والتأكيـد بجـلاء لهـذا المعـني فـي سـورة النمـل أيضــا.
وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ. سـورة النمـل 43.
وهنـا محـاولة لتـأويل مصـطلح الإلحـاد، الجـذر اللغـوي لكلمـة الإلحاد هـو الجـذر الثـلاثي (ل ح د)، وأصـله يـدل عـلي الميــل، العـدول عـن القصـد، والانحـراف عـن الاسـتقامة أو الحــق، ويشـمل المعـاني الظرفيـة كالميـل والجـور فـي الديـن.
ويتضـح هـذا المعـني فـي قـول الله تبـارك وتعـالي.
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. سـورة الأعـراف 180.
وهـذا يعـني عـدم الإنكـار لأسـماء الله تبـارك وتعـالي، ولكـن التـأويل بمعـاني ومفاهيـم تخالـف المعـاني المـراده.
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ. ســورة النحـل 103.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. سـورة فصـلت 40.
فـي الآيـات يلحـدون بمعـني لا ينكـرون، بـل يحـرفون الكـلام عـن مواضـعه ومقاصـده ومفاهيمــة (الذين في قلـوبهم مـرض).
امـا كلمـة الملتحـد لـم تـأتي فـي القـرآن الكـريم ســوي مرتيـن، وجـاءت بمعـني الملجـأ والمـلاذ.
وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا. سـورة الكهـف 27.
قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا. سـورة الجـن 22.
مـن الآيـات الكريمـة نجـد أن الإلحـاد جـاء بمعـني العـدول عـن الحـق او الطعـن فيـه، امـا ملتحــدا جـاءت بمعـني المـلاذ والملجـأ.
أكتفـي بهـذا القـدر ونكمـل فـي الأجـزاء القـادمة أن شـاء الله تبـارك وتعـالي.
خـالـد عـبد الصــمد.
أضف تعليق