يا سيدي…..
لم تعد المدافع تصنع الأوطان
ولا البنادق تكتب التاريخ
ولا السيوف ترفع رايات النصر
في زمن
صار فيه العقل هو الميدان
والفكرة هي الرصاصة
والكتاب هو السلاح الأشد فتكا من كل ترسانة

نحن لا نحارب بأصابعنا
ولا ننتصر بعضلاتنا
نحن أبناء الحرف
نحمل في حقائبنا
قنابل من أسئلة
وصواريخ من مناهج
ودماءنا حبر يسيل على دفاتر الأجيال

في هذا العصر
كل طلقة جاهلة
تقابلها مكتبة
وكل صرخة متطرفة
يخنقها صوت معلمٍ في الصف الأول

يا سيدي…
الحرب اليوم ليست على الحدود
بل في العقول
في المدارس
في شاشات الهواتف
وفي الكتب التي لا تقرأ

نحن في معركة
لا يسمع فيها دوي المدافع
بل صدى الجهل وهو ينهار
أمام فكرةٍ واحدة
تولد في عقل طفل صغير
يؤمن أن الشمس لا تشرق إلا على من قرأ

العلم يا سيدي
ليس رفاهية
بل ضرورة
هو الخبز حين يجوع الفكر
والماء حين يعطش الضمير
هو الجسر الوحيد
الذي يعبر بنا من ظلام التخلف
إلى ضوء الحضارة

علينا أن نزرع المدارس
كما نزرع القمح
أن نروي العقول
كما نروي الحقول
أن نعلّم أبناءنا
أن القلم لا يشهر في وجه الآخر
بل يشهر في وجه الجهل

يا سيدي…
كل حضارة لم تبن على المعرفة
سقطت
وكل أمة لم ترفع راية التعليم
إنكسرت
فلا تسألني عن السلاح
وأسألني عن المعلم
ولا تسألني عن الجيوش
وأسألني عن الجامعات

نحن لا نريد وطنا يعلو فيه صوت الرصاص
نريد وطنا يعلو فيه صوت الحكمة
وطنا لا يقاس بعدد دباباته
بل بعدد كتبه
لا يفتخر فيه بعدد الشهداء
بل بعدد العلماء

يا سيدي…
القوة الحقيقية
هي أن تكتب قصيدة
تهز عرش الظلم
أن تبتكر دواء
يشفي جراح العالم
أن تزرع فكرة
تثمر وعياً في قلوب الناس

فلتكن مدارسنا مصانع
تنتج جيلاً لا يهزم
ولنحمل العلم
كما يحمل غيرنا السلاح
ففي زمن الحرب الفكرية
لا ينتصر إلا من يقرأ.
يا سيدي…

العلم ليس كتابا نضعه على الرف
ولا شهادة نعلقها على الجدار
العلم هو أن نعرف من نحن
ومن نكون
ولماذا نموت كل يومٍ
في معركة لا نعرف فيها من العدو

العلم يا سيدي
هو أن نفتح نوافذنا على الشمس
أن نكسر أقفال الجهل
أن نعلم أبناءنا كيف يطرحون الأسئلة
لا كيف يحفظون الأجوبة

نحن لا نريد جيلا يصفق
نريد جيلا يفكر
لا نريد عقولا تحفظ التاريخ
بل عقولا تكتبه

يا سيدي…
كل أمة لا تقرأ
تكتب نهايتها بيد غيرها
وكل شعب لا يحترم معلمه
يعيش عبدا في بلاط الجهل

العلم ليس ترفا
بل هو الخبز الذي نأكله
والماء الذي نشربه
والهواء الذي نتنفسه
فمن لا يملك المعرفة
يعيش على هامش الحياة
كظل لا يرى
وصوتٍ لا يسمع

يا سيدي…
في زمنٍ
صارت فيه الكلمة أقوى من الرصاصة
والفكرة أخطر من القنبلة
علينا أن نحمل أقلامنا
كما يحمل غيرنا البنادق
أن نكتب
أن نعلم
أن نزرع في كل طفلٍ
شجرة من نور

نحن لا نريد وطنا
يبنى على الخوف
نريد وطنا
يبنى على الفكرة
على الحلم
على الحرف الذي لا يموت

يا سيدي…
كل حضارةٍ تبدأ من مقعد في مدرسة
وكل ثورةٍ تبدأ من سؤالٍ في عقل طفل
فلا تستهِن بالكتاب
ولا تستهِن بالمعلم
ولا تستهِن بالعلم
فهو وحده
من يملك مفاتيح الغد

العلم يا سيدي
ليس فقط ما ندرسه
بل ما نعيشه
ما نؤمن به
ما نورّثه لأبنائنا
كوصيةٍ لا تموت

فلتكن مدارسنا منارات
وليكن معلمونا أنبياء
وليكن الحرف
هو السلاح الذي لا يصدأ

ولنكتب على جدران هذا الزمن
أننا أخترنا أن نحيا
بعقولٍ لا تستعمر
وبأحلام  لا تغتال
وبعلم
يصنع منا
أمة لا تهزم.

يا سيدي…

كلما أرتفعت أصوات البنادق
أنخفض منسوب الإنسان فينا
وكلما صرخ الرصاص
صمتت القصائد
وتكسّرت أقلام الفلاسفة

نحن لا نهزم حين تحتل الأرض
بل حين تحتل العقول
حين نسلم مفاتيحنا للجهل
ونغلق أبوابنا في وجه النور

يا سيدي…
العلم ليس درسا في كتاب
ولا إمتحانا في نهاية فصل
العلم هو أن نعرف كيف نعيش
وكيف نختلف دون أن نكفر
وكيف نحب دون أن نخيف

العلم هو أن نعيد ترتيب الفوضى
أن نرمم الشروخ في جدران الوعي
أن نعيد للإنسان إسمه
بعد أن صار رقما في نشرة الأخبار

يا سيدي…
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الجيوش
نحتاج إلى مزيد من المعلمين
إلى مزيد من الحالمين
إلى مزيد من الأطفال الذين يسألون
لماذا السماء زرقاء
ولماذا يموت الناس في الحروب
ولماذا لا نكتب التاريخ بأيدينا

نحتاج إلى جامعاتٍ
تخرج مفكرين لا مرتزقة
إلى مناهج
تعلمنا كيف نكون بشراً
قبل أن نكون جنوداً أو تجاراً أو قضاة

يا سيدي…
كل طلقة تطلق على فكرة
هي رصاصة في صدر المستقبل
وكل كتاب يحرق
هو جريمة ضد الأمل

العلم يا سيدي
هو أن نعيد تعريف البطولة
أن ندرك أن أعظم الأبطال
ليسوا من يرفعون السيوف
بل من يرفعون الوعي

أن ندرك أن الحضارة
لا تبنى على أنقاض المدن
بل على أنقاض الجهل
أن ندرك أن النصر
ليس أن نسقط طائرة
بل أن نقلع بفكرة

يا سيدي…
في زمنٍ
تباع فيه الحقيقة في أسواق السياسة
وتشترى فيه العقول بأرخص الأثمان
يصبح العلم ثورة
ويصبح المعلم شهيداً
ويصبح القلم
آخر ما تبقى لنا من كرامة

فلنحمل هذا القلم
كما يحمل السيف في المعركة
ولنكتب
لا لنُرضي أحداً
بل لننقذ ما تبقى من أرواحنا

ولنُعلم أبناءنا
أن القوة لا تسكن في فوهة بندقية
بل في سطر يكتب بصدق
وفي فكرةٍ تنقذ أمة

يا سيدي…
حين ندرك أن المدرسة
هي أول جبهة في الحرب
وأن المعلم
هو أول جندي في المعركة
حينها فقط
نكون قد بدأنا
نكتب أول سطر في كتاب النصر.

الأديب:محمدنورالدين

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ