

مقام الحضور
بقلمي هدى عبده
أمشي ولا أسأل الطريق
عن اسمه،
أدعُ الخطى تمتحن يقيني
وأراقبُ أي صوت في داخلي
يتقدم…
وأي صمت يتأخّر
ليصير أنا.
أدخلُ نفسي
كما تُدخل الريحُ يدها في ستارة قديمة،
أبعثر الغبار
لا لأرى ما كان،
بل لأتأكد أنني
لم أُعلق يومًا
على جدار الذاكرة.
الزمن يجرني
من كتفي الخفي،
يعيد ترتيب ملامحي
بملقاط بطيء،
ينزع عني ما استهلكته الأيام
ويتركني
عارية إلا من السؤال.
أصادق وحدتي
لا لأنها تواسيني،
بل لأنها المرآة الوحيدة
التي لا تُجامل.
أغسلُ بها اسمي
من ضجيج التعريفات
وأعلقه نجمةً
في سماء لا تحتاج شهودًا.
صمتي
ليس فراغًا،
إنه الحقلُ الذي
تتعلم فيه الكلمات
كيف تُنبت نفسها
دون وصايا.
وفي قلبي
نبض لا يستعجل الخفق،
يشبه غيمةً
تؤمن أن المطر
يأتي حين ينسى الغيم نفسه.
أجمع خساراتي
كما تجمع امرأةٌ حكيمة
أعشابها البرية،
أربطها بخيط من صبر
وأخبئها في جرار الروح
لتصير شفاء
لا عثرة.
ثمّ
ينهض في داخلي اتجاهٌ
لم تُدرسه الخرائط،
أرممُ به الشقوق
وأعيد للأيام ترتيب أنفاسها،
ألمس الماضي
بيد لم تعد ترتجف،
فيسقط الألم
عن معناه.
يأتيني اسم قديم
لا كجرح،
بل كضياءٍ
نجا من الحريق.
أفهم الآن
أن الشغف
لا ينسحب،
هو فقط
يبدل ثيابه.
أصعدُ نافذةً
تفتح على فجر متقشف،
يدلني على درب
لا يطلب إذنًا،
درب
تمر به النساء
حين يخلعن التشابه
ويحتفظن بالجوهر.
وحين خمدت النيران
التي ظننتها أنا،
وتراجع الظل
عن ادعائه،
أدركتُ:
لستُ أثرًا،
ولا صدىً مؤجلًا،
ولا مقامًا
يعبره الراحلون.
أنا حضورٌ
إذا غاب
ترك في الوجود
رجفة معنى،
وإذا حضر
جلس في القلب
دون منافسة.
أنا امرأةٌ
كلما اقتربت من الله
تخففت من النسخ،
حتى صارت
واحدةً…
لا تُرى مرتين،
ولا تُفسر،
بل تُعاش
كما تُعاش الحقيقة
حين تُقال
بالسجود.
د. هدى عبده
أضف تعليق