الـوعـي وأصـحاب الســبت (2).
قـال الله سـبحانه وتعـالي فـي أصـحاب السـبت (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. سـورة النحـل 124)، وهنـا ســؤال السـبت جعـل عـلي الذيـن وليـس للذيـن، وهـذا يعـني أنهـم مـن أختـاروا، والدليـل فـي أختلفــوا فيـه، فهـو مختلـف عليـه وليـس أصــل.
وقـال الله سـبحانه وتعـالي فـي أصـحاب السـبت.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ. ســورة البقـرة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. سـورة النسـاء 47.
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا. ســورة النسـاء 154.
أمـا تفصـيل الأحـداث فـي أصـحاب السـبت.
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ. ســورة الأعـراف.
البحـر فـي الآيـة يعـني البحـر المـالح أو العـذب (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا. سـورة الفـرقـان 53)، العبـرة ليسـت فـي نوعيـة المـاء ولكـن فـي التحـايل عـلي ما كتـب عليهـم بنـاء عـلي أختيـارهم بكامـل أرادتهـم.
كـل مـا جـاور البحـر يعتمـد أقتصـاديا “فـي الأرزاق” عـلي الصـيد، وقـد تقبـل عبـاد العجـل يـوم السـبت كأجـازة للراحـة، فالصـيد كـان لكـافة أيـام الأسـبوع فيمـا عـدا السـبت الـذي أختــاروه.
وهنـا الأختبـار والتمحيـص الإلهـي، فكانــت نـدرة فـي أيـام الأســبوع، إلا يـوم الســبت فيـه الكـثرة والـوفـرة.
وفـي ظـل هـذا الأختبــار، أنقسـمت القـرية الـي ثـلاث فـرق، فـرقة تحـايلت عـلي الســبت بوضـع الشـباك أو عمـل الحفــر أو ما شـابه لصـيد الأسـماك، وفـرقة رفضـت التحـايل ونهــت عنـه بوضـوح، وفـرقة ســكتت عـن التحـايل وأتخـذوا موقفــا لا هـو بالأيجـابي ولا هـو بالسـلبي، ويتضـح ذلـك فـي قـول الله سـبحانه وتعـالي ” وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. سـورة الأعـراف 164).
الفـرقة الضـالة والفئـة السـاكتة لـم يفكــروا لمـاذا هـذا البـلاء؟، لـم يفكـروا أن هـذا قـدر الله سـبحانه وتعـالي، ولأبـد مـن حكمـة وراء هـذا القـدر والأبتـلاء.
الطـبيعي والمنطـقي بالعقـل البشـري المحـدود الأمكانيــات، البحـر مملـؤ بالسـمك، وأيضـا مـن الطـبيعي أن يكـون مـوجـود كـل يـوم. الله سـبحانه وتعـالي هـو مـن شــرع الشـرع، وهـو مـن يقـدر الأقـدار.
الحـلال كـثير ومبـاح فـي الشـرع إلا مـا نهـي الله سـبحانه وتعـالي عنـه، فالشـرع يوســع والقـدر قـد يضـيق، والقـدر قـد يوســع والشـرع هـو مـن يضــيق.
وهنـا وجـب التـدبر والتـأمل فـي أختبـار الله سـبحانه وتعـالي، ووجـب الأتصـال بالله سـبحانه وتعـالي ليكشــف البـلاء والأختبـار، لأتخـاذ الخطـوات اللأزمـة لأصـلاح النفـس والمحيــط “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ. سـورة الرعـد 11”.
الأصـل الأبـاحة إلا مـا حـرم الله سـبحانه وتعـالي، وهـذا ما أصـاب أصـحاب السـبت، شـرع لهـم الله سـبحانه وتعـالي الصـيد كـل أيـام الأسـبوع إلا السـبت، فهـم فـي الأصـل مـن ضــيقوا عـلي أنفسـهم بأختيـارهم الســبت. فكـان لهـم الشـرع الواسـع والقـدر ضــيق، لكـن فـرقة منهـم أختـاروا الضـيق فـي الشـرع بالتحـايل، وكـان حكـم الله سـبحانه وتعـالي فـي التضـيق فـي الواســع. وتناسـت الفـرقة مريضـة القـلب سـؤال أنفســهم لمـاذا هـذا التضــيق؟.
الفـرقة الضـالة مـن أصـحاب السـبت، أعمـلوا عقـولهم فـي غـير ما خلقـت لـه “الحيـلة عـلي القـدر”، فســلبوا أعمـال العقـل فيمـا خلـق له. كـان أعمـال العقــل فـي أبطـال النـص، فسـلبوا عقـولهم فـي فهـم الحكـم القـدري، وهكـذا ضـل مـن ضـل. الحـرام وسـع عليهـم وقبــلوا بـه، بـديـلا عـن الحـلال الـذي ضــيقوه عـلي أنفســهم، ونسـوا أن هـذا التوسـيع والتضــييق أبتــلاء، ويتضـح ذلـك مـن قـول الله تبـارك وتعـالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ. سـورة المـائدة).
وللأسـف هـذا الأبتــلاء أصـاب العـالـم الآن، فالحـرام صــار واســع وســهل، والحـلال صــار ضــيق وصــعب، وهـذا مما كســبت النـاس “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”. ســورة الـروم 41.
أمـا المسـخ للقــردة قـد يكـون معنــويا وليـس فـي الهيئــة أو الظـاهر “مسـخ باطـن”، والقـرد لـه صــفتين رئيســيتان التقليــد “تقليـد الغـير لمجـرد التقليـد”، والحـركات العشـوائية بلا معـني وهـو ما يسـمي مانكـي ماينـــد.
وختـاما، الله سـبحانه وتعـالي يعلـم المنـافقين والمنكـرين لذلـك قـال للرسـول صـلي الله عليـه وسـلم والمؤمنيـن مـن بعـده (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ. ســورة التـوبة.
أســئل الله سـبحانه وتعـالي العفــو للجميــع، فقـد أصــاب العـالـم مـا أصـاب أصـحاب السـبت.
خـالـد عـبد الصـمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ