
هل الصمتُ تكبّر؟
«ليس كل صمتٍ كبرياء،
ولا كل كلامٍ تواضع.»
في عالمٍ تتسارع فيه الأصوات حتى تكاد تطغى على أنفاسنا،
ويُقاس فيه الحضور بعلوّ الضجيج لا بعمق الأثر،
يصبح الصمت فعلًا ملتبسًا،
وكأننا نرتكب ذنبًا حين نختار الإصغاء بدل الكلام.
هنا يبدأ السؤال.
هل الصمت في الفضاء الرقمي فضيلة أم جريمة؟
وهل غدا الغياب المؤقت علامة ترفّع؟
أم أن فيه وعيًا لم نعد نملك صبر تأمله؟
في لحظة تأمل مشوبة بالحدّة،
قيل إن الصمت تكبّر،
وإن عدم التفاعل استعلاء،
وإن الغياب عن التعليق خيانة لروح المشاركة.
هكذا تُطلق الأحكام في زمن السرعة،
مختزلة الإنسان في ردّ،
ومختزلة القيم في نقرة.
أقف أمام هذا الاتهام
لا دفاعًا عن نفسي فحسب،
بل دفاعًا عن معنى أعمق للصمت.
أتساءل:
هل تحوّلت التفاعلات الرقمية إلى مقياس أخلاقي؟
وهل صرنا نحاكم القلوب من خلف الشاشات؟
ونقيس القيمة الإنسانية بعدد الإشارات والتنبيهات؟
في هذا العصر الذي نُزعت فيه القداسة عن التأمل،
أعود إلى ذاتي،
وأفتّش عن الأسباب العميقة لاختياري الصمت.
أجدني إنسانًا محدودًا بالزمن والطاقة.
أحمل مسؤوليات لا تُرى،
وأعباء لا تكتب نفسها في التعليقات.
عمل يلتهم الساعات كالنار في الهشيم.
أسرة تحتاج إلى حضور صادق، لا إلى بقايا انتباه.
ومسؤوليات تستنزف التركيز حتى آخره.
وحين تضيق المساحة،
لا أجد ملاذًا إلا سكونًا داخليًا
يحفظ لي ما تبقى من توازني.
فهل يكون هذا تكبّرًا؟
أم اعترافًا شجاعًا بحدود الإنسان؟
أم وعيًا بأن الزمن ليس ملكًا عامًا
ولا موردًا بلا نهاية؟
في صمتي أرى أمانة وجودية تجاه طاقتي المحدودة،
وتجاه وقتي الذي لا يُعوَّض،
وتجاه روحي التي تحتاج أحيانًا
أن تصمت كي لا تنكسر.
لقد تحوّل الوجود الرقمي
من حالة كينونة
إلى أرقام وإحصاءات.
لكن الوجود الحقيقي لا يُقاس بالكم،
بل بالكثافة.
كثافة الوعي.
عمق الإصغاء.
وصدق التفاعل حين يحدث.
قد أبدو صامتًا،
لكنني أقرأ بانتباه،
وأتأمل ببطء،
وأؤجل الكلمة
حتى تخرج بقدر معناها.
أليس من التناقض
أن نطالب بالتفاعل السريع
ثم نشتكي من سطحية الخطاب؟
أليست السرعة عدو العمق؟
أوليس الضجيج نقيض الحكمة؟
كثيرًا ما يكون اتهام الصمت
إسقاطًا لا تشخيصًا.
فحين نخلط بين الاهتمام والالتزام،
وبين المشاركة والواجب،
نحوّل العلاقات الرقمية
إلى عبء نفسي مقنّع.
التكبّر الحقيقي
ليس في صمت الآخر،
بل في افتراض أنه مُلزم دائمًا بالحضور.
وفي الاعتقاد
أن وقته يجب أن يُستهلك
لإرضاء توقّعاتنا.
أستعيد صمت الطفولة.
ذلك الصمت الذي لم يكن فراغًا،
بل مساحة دهشة واكتشاف.
كنا نصمت فنفهم،
ونحدّق قبل أن نصف،
ونتأمل قبل أن نحكم.
ثم أنظر إلى صمت الطبيعة.
صمت البحر حين يحتشد بالمعنى.
صمت الجبال في مواجهة القرون.
صمت الليل وهو يعيد ترتيب الفوضى.
هل كان هذا الصمت ضعفًا؟
أم أقصى أشكال الحضور؟
في زمن الاستهلاك المفرط للكلمات،
يصبح الصمت موقفًا أخلاقيًا.
مقاومة هادئة.
ووقفة وعي
في وجه التدفق الأعمى.
أحيانًا يكون الصمت احترامًا للفكرة،
وأحيانًا رحمة بالنفس،
وأحيانًا حكمة في اختيار ما يستحق الرد.
كم من كلمة
لو انتظرت صمتًا أطول
لولدت أنقى
وأقل ادّعاءً.
الصمت هنا ليس هروبًا،
بل حصنًا.
يحمي من الاستنزاف،
ويعيد للزمن إنسانيته،
ويكسر هيمنة الإيقاع الرقمي
الذي يريدنا دائمًا متاحين،
دائمًا منهكين.
لذلك،
أدعو إلى إعادة النظر في الصمت الرقمي.
أن نراه احتمالًا إنسانيًا
لا تهمة.
مساحة للوعي
لا علامة استعلاء.
وفي الختام،
فلنرَ في الصمت
ليس انسحابًا،
بل حكمة تحفظ أرواحنا
من الغرق في الضجيج.
إنه لغة خفيّة،
وحضور متأنٍ،
ومجال تنضج فيه الأفكار
قبل أن تُقال.
في صمتنا
نستعيد إنسانيتنا،
ونصالح الزمن،
ونقترب قليلًا
من ذواتنا
كما هي،
لا كما يُراد لها أن تبدو.
بقلم:
د. محمد شعوفي
11 يناير 2026
أضف تعليق