

رحلة الإسراء المعراج:
في تلك الليلة
لم يكن الليل مجرد ليل
كان صفحة سوداء
قرر الله عزوجل
أن يكتب عليها معجزته
محمد صل الله عليه وسلم
كان يمشي مثقلا بالحزن
مكة ضاقت
والأرض أشتدت قسوتها
ففتح الله له السماء
لان القلوب الكبيرة
حين تتعب
تستحق أن تطل من الأعلى
جاءه جبريل
ليس كملاك فقط
بل كيد رحيمة
تنتشل الروح من تعبها
شق الصدر
وغسل القلب
لان الرحلات العظيمة
لا تبدأ إلا بقلب نقي
ثم ظهر البراق
أبيض كفكرة صادقة
أسرع من الضوء
وأهدأ من طفل نائم
يضع حافره
حيث ينتهي النظر
فحمل النبي
من المسجد الحرام
حيث البداية
إلى المسجد الأقصى
حيث الذاكرة الأولى للسماء
في الأقصى
لم تكن الحجارة صامتة
كانت تعرفه
كانت تنتظره
أصطف الأنبياء
كلهم
من أول الحكاية
إلى أخرها
وقفوا خلفه
وصلى بهم
لأن الرسالات
حين تكتمل
تسلم يدها الأخيرة
لخاتمها
ثم بدأ المعراج
سماء تفتح بابها
لسماء
وكل باب
سلام
وكل سماء
لقاء
في السماء الأولى
رأى أبونا آدم عليه السلام
وجه البشرية الأول
يسلم عليه
كأب يستقبل إبنة البار
وفي الثانية
يحيى وعيسى أولاد الخالة عليهم السلام
طهارة تمشي على قدمين
يبتسمان
لأن النبوة
تعرف أهلها
وفي الثالثة
يوسف علية السلام
جمال يشبه الحلم
وفي الرابعة
إدريس علية السلام
رفعة تشبه الصمت
وفي الخامسة
هارون علية السلام
وداعة القلوب الصافية
وفي السادسة
موسى علية السلام
قوة التجربة
وبكاء المحبة
وفي السابعة
إبراهيم أبو الأنبياء علية السلام
يسند ظهره
إلى البيت المعمور
كمن عاد أخيرا إلى بيته
ثم بلغ سدرة المنتهى
حيث لا وصف
ولا حرف
ولا مجاز
حيث أقترب
وكلمه ربه
وفرضت الصلاة
لا كعبء
بل كهدية
خمس صلوات
لتكون للأرض
نوافذ يومية
على السماء
عاد محمد علية افضل الصلاة والسلام
وعاد النور معه
لكن مكة
كانت ما تزال عمياء
ضحكوا
قالوا هذا مستحيل
كيف تذهب وتعود
كيف تصعد
كيف ترى
وقف يحكي
وكان صوته هادئا
وصف لهم المسجد الأقصى
بابا بابا
وحجرا حجرا
حتى تلعثم الشك في أفواههم
ثم قال
رأيت قوافل
في الطريق الى مكة
تحمل علاماتها
وستصل
لكنهم
لا يؤمنون
إلا بما يلمسون
وفي الزحام
وقف رجل
لم يهتز
عبدالله بن أبي قحافة
لم يسأل
لم يناقش
قال جملته
كمن يلقي جبلا
في بحر الشك
أن كان قال فقد صدق
ومن تلك اللحظة
سقط الأسم القديم
وولد إسم جديد
أبو بكر الصديق
لأن التصديق
حين يكون كاملا
يصنع الخلود
الإسراء والمعراج
لم تكن رحلة
كانت قصيدة الهية
كتبها الله
لنبيه
ليقول للبشر
أن الطريق إلى السماء
ليس مستحيلا
وأن السجدة
قد تكون
أجنحة
وتستمر الحكاية
لأن المعجزات
لا تحب الأختصار
كانت الرحلة
كأن الله
اراد أن يقول لمحمد علية الصلاة والسلام
لست وحدك
وأن ثقل الرسالة
له كتف سماوي
يسنده
في كل سماء
لم يكن الإستقبال رسميا
كان حميما
كان أشبه بعناق طويل
بين أخوة
فرقتهم الأرض
وجمعتهم السماء
كل نبي
كان يرى في محمد صل الله عليه وسلم
أمتداد دعائه القديم
وكان محمد علية افضل الصلاة والسلام
يرى فيهم
مرآته الأولى
لم تكن الأبواب تفتح بالمفاتيح
كانت تفتح بالسلام
وبالصدق
وبقلب
لم يعرف الكذب يوما
حتى الملائكة
كانت تنظر اليه
كمن ينظر إلى معنى
لا إلى جسد
وحين أقترب
أقترب بلا أقدام
وبلا مسافة
أقترب بقلبه
لأن القرب من الله
لا يقاس بالخطوات
بل بالخشوع
هناك
حيث لا صوت
ولا إتجاه
ولا ظل
كان الحديث
أعظم من اللغة
وكانت الصلاة
عهد حب
لا فرض ثقيل
الصلاة
لم تولد لتقيد الإنسان
بل لتحرره
لتغسل يومه
من غبار الخوف
ولتقول له
كلما ضاقت بك الأرض
أرفع يديك
فالسماء قريبة
ثم عاد
لأن الأنبياء
لا يبقون في العلو
هم يولدون
ليعودوا
ليحملوا النور
إلى الأماكن المظلمة
عاد محمد إبن عبدالله
إلى مكة
فأستقبلته
بالسخرية
كعادتها
لأن المدن
التي تخاف النور
تضحك عليه
قبل أن تحاربه
قالوا
حدثنا
فحدثهم
عن مسجد
لم يروه
فرآه لهم
وصف الجدران
كمن عاش فيها عمرا
وعدد الأبواب
كمن حفظها عن ظهر قلب
فإرتبكوا
لأن الحقيقة
حين تكون واضحة
تخيف
قال لهم
رأيت قوافل
في الطريق
تسير ببطء
يحملها التعب
ويسوقها القدر
وستصل
وكان الزمن
هو الشاهد الوحيد
الذي لا يكذب
لكنهم
أغلقوا قلوبهم
لان المعجزة
تحتاج قلوبا مفتوحة
لا إذنا فقط
وفي تلك الفوضى
وقف أبو بكر
لم يرفع صوته
لم يخاصم
قال كلمته
كمن يوقع على الحقيقة
أن كان قال فقد صدق
لأن من صدق الوحي
لا يتردد في الطريق
كان إيمانه
أبسط من الفلسفة
وأقوى من الجدل
كان يعرف
أن محمدا علية الصلاة والسلام الصادق الأمين
لا يكذب
لأن الكذب
لا يسكن القلوب
التي أمتلأت بالله
ومنذ تلك اللحظة
لم يعد رجلا عاديا
صار إسما
وصار موقفا
وصار معنى
أبو بكر الصديق
الذي سبق الجميع
إلى اليقين
رحلة الإسراء والمعراج
لم تكن ليلة وأنتهت
كانت درسا مفتوحا
لكل من أتعبته الحياة
أن السماء
قد تفتح فجاة
وأن الله
إذا أحب عبدا
أخذه في رحلة
ليعيده
أقوى
وأنقى
وأكثر قدرة
على إحتمال الأرض
هي ملحمة
كتبت بالنور
لا بالحبر
لان بعض القصص
لا تقرأ
بل تصلى
من ديوان :يوم الجمعة
الأديب :محمدنورالدين
أضف تعليق