

الإسراء والمعراج
بقلمي هدى عبده
الإسراء والمعراج
لم تكن ليلتهُ
ساعة على معصم الزمن،
كانت انفلاق المعنى
حين ضاقت الأرض
واتّسعت السماء لقلبٍ واحد.
خرج من حزنه
كما تخرج الفكرة الصادقة
من بين أنقاض الشك،
لا يحمل زادًا
إلا يقينا
تعب من الصمت
فأُذنَ له بالكلام العالي.
جاءه النداء
لا بصوتٍ
بل برحمةٍ
تضع يدها على الكتف
وتقول:
انهض…
فما خُلقَ هذا القلب
ليكسر.
شُق الصدر
لا ليؤلم
بل ليُخفف،
وغسل القلب
لأن الطريق إلى الأعلى
لا يقبل ثِقل الغبار.
وأطل البُراق
كبياض النية الأولى،
خطوتهُ برق
وسكونهُ دعاء،
يحمل الجسد
ولا يمسّ الروح
إلا بالطمأنينة.
من بيتٍ
وُضعَ للناس
إلى بيتٍ
وُضِعَ للسماء في الأرض،
كان الأقصى
ذاكرة الأنبياء
حين تتجسد حجارة.
هناك
اصطف الزمن خلفه،
آدمُ…
ونبض البداية،
نوح…
وصبر الماء،
إبراهيمُ…
ولهفةُ النار حين تخجل،
موسى…
وغضبُ الحق إذا أحب،
عيسى…
ووداعةُ الروح حين تصفو.
صلّى بهم
لا ليعلو
بل ليكتمل،
فالرسالاتُ
حين تبلغُ منتهاها
تسلم سرّها
لأمينها الأخير.
ثم صعد…
لا بدرجٍ
ولا بسُلّم،
بل بانكسارٍ جميل
يسمونه الخشوع.
سماء تفتح اختها
بالسلام،
ووجهٌ يستقبلُ وجهًا
بـ “مرحبا يا أخي”،
حتى صار اللقاءُ
لغةً
والدهشةُ عبادة.
إلى أن بلغ
حيث لا اسم للأين
ولا أين للاسم،
حيث القرب
لا يُقاسُ بخطوة
بل بتخلّ كامل.
هناك
فرضت الصلاة،
لا لتثقل على الكتف
بل لتصير جناحًا،
خمسُ مراتٍ
يُستدعى فيها العبد
من ضجيجِ التراب
إلى صفاء الأصل.
ثم عاد…
لأن النور
لا يُحبّ الإقامة،
بل العودة إلى العتمة
ليوقظها.
عاد
فكذبوه،
لأن المعجزة
تُربكُ العقول
التي لم تُدرّب على التصديق،
لكن رجلاً واحدًا
وقف كجدارٍ من يقين
وقال:
إن قال…
فقد صدق.
وهكذا
وُلد الاسم من الموقف،
وصار التصديقُ
مرتبة.
يا سائلاً عن المعراج،
ليس في السماء وحدها،
ولا في ليلٍ مخصوص،
المعراجُ
أن تخلعَ نفسك
عند باب السجدة،
وأن تدخل بلا أنا،
وأن تخرج
وقد صرت أخفّ
من خوفك.
كلما سجدت
صعدت،
وكلما ذُبتَ
وجدت،
فاللهُ
لا يُزارُ بالمسافة
بل بالفناء،
ومن عرف الطريقَ إليه
عاد إلى الأرض
وفي قلبه
سماءٌ لا تُغلق.
د. هدى عبده
أضف تعليق