

الـواعـي وفســاد الخـواطـر (6).
الـواعـي اليقــظ لا يـزكي نفسـه، ولا يثـق بعمـله، ولا يفـرح بالطـاعة فـرح أمـن، بـل فـرح شـكر وخـوف قبــول، وأن يظـل دائمـا بيـن الخـوف والرجـاء.
الـواعي اليقــظ يبتعــد عـن مـواطـن الفتــن وخاصـة مـا يصـيب القلــب. العـزة بالأثـم داء وآفـة تصـيب القلـب، وهـي أن يقـع الإنسـان فـي الخطــأ، ثـم تمنعـه العـزة الكـاذبة مـن الـرجـوع أو الاعـتراف، فيجمـع بيـن الذنـب والأسـتكبار، وهـذا داء أبليسـي، أطـاح بأبليـس فطـرد مـن الجنــة، وهـذا بـلاء عظـيم يسـتحق الطـرد مـن رحمـة الله سـبحانه وتعـالي ومغفـرته.
العـزة المحمـودية هـي عـزة الطـاعة والتمسـك بالحـق (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ. سـورة فاطـر 10)، والعـزة المـذمـومة هـي التـي تجعـل صـاحبها يـري الـرجـوع عـن الخطــأ ضــعفا، والأعتـذار عـن الخطـأ نقصــا، فيتمسـك بالخطـأ ولـو تبيـن لـه الصـواب.
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ. سـورة البقـرة.
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا. سـورة الفتـح 26.
مـن يسـعي إلـي حفـظ الهيبـة، ويتناسـي رضـا الله سـبحانه وتعـالي خسـر الدنيـا والآخـرة (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ. سـورة آل عمـران 22). عنـدما يقتـرن الأثـم بالعـزة، يتحـول الأمـر مـن ذلـة إلـي خـروج عـن المنهـج والتكليـف، وهـذا نهـاية خيـار الصـواب وبـداية مسـار المعاصـي.
المعصـية مـع الاعـتراف والتـوبة، أقـل وطـأة مـن معصـية مـع مكـابرة وأصـرار. النفـس تحـب الـمدح والثنـاء، وتكـره النقـض عـلي أعتبـاره ذمـا، فإذا أصـيبت فـي موضـع الكـبر ثـارت، ودافعــت بالبـاطل. لذلـك تذكـيز النفـس بحقيقتهـا وضـعفها، يهـذبـها ويهـذب سـلوكها قـولا وفعـلا، فالنفـس لا تملـك لنفسـها ضـرا ولا نفعــا، والعـزة بالأثـم تحجــب المـرء عـن التـوبة، لكـون التـوبة تحتـاج إلـي تواضـع وأعتـراف، وخشـوع وأنكسـار فـي طلبهـا مـن الله سـبحانه وتعـالي.
مـن يسـعي للـدفـاع عـن أخطـائه، لا يعـود إلـي الحـق وهـذا منطـق أبليسـي “أنـا خـير منـه”.
العقـل اليقـظ والفكـرة السـليمة نعمـة، فلا رضـا بالأعـذار غـير الشـرعية، ولا سـماح للتلاعـب بالمـوازين والمعـايير الثابتـة، فكمـال العقـل نعمـة عظيمـة تنفـذ صـاحبها مـن الأنـزلاق.
أكتفـي بهـذا القـدر ونكمـل فـي الأجـزاء القـادمة أن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خـالـد عـبد الصـمد.
أضف تعليق