

أوراق الياسمين تكتبني :
أوراق الياسمين ليست ما يراه الناظر في حديقة
ولا ما يهمس به العاشق في ليل ساهر
هي ليست زينة للوجود
ولا تغطية للفراغ
هي صيرورة للمعنى
بقدر ما هي صيرورة للواقع
في الصباح الباكر
حين يكون العالم في مرحلة ما بين النوم والأستيقاظ
تتفتح الأوراق
كأنها ترفض أن يكون لها زمن
أو أن يكون للزمان سلطان عليها
هي لا تنتظر النهار كي تتكلم
ولا تنتظر الليل كي تختفي
هي فقط
تحدث
هذا الفعل البسيط
هو ما يزعجني
لأني أكتشفت أنني طوال حياتي
كنت أريد أن يكون العالم كما أريده
وأن أريده أن يفسرني
وأن يعطيني مبررا لوجودي
لكن الياسمين لا يهمه مبرري
ولا يهمه شعوري
ولا يهمه أن كنت سعيدا أو تعيسا
هو موجود
وهذا وحده يكفي ليعلنني غير ذي شأن
أوراق الياسمين تكتبني
لأنها تجردني من كل إدعاء
إدعاء أني أملك بداية
إدعاء أني أملك غاية
إدعاء أني أملك معنى
هي تضعني في مواجهتي
مع الحقيقة الوحيدة
أنني ولدت
وأني لا أملك شيئا غير أن اكون
كان يروق لي أن أعتقد
أنني إبن الظروف
أو إبن المجتمع
أو إبن التاريخ
لكن الياسمين يرفض هذه الرواية
لأنها تجعلني ضحية
والإنسان لا يرضى أن يكون ضحية
حتى لو كان هذا الضحايا حقيقيا
لأنه يشعر بأن الضحية لا حرية لها
وأن الحرية هي أن تعلن أنك لا ضحية
وأنك تختار حتى وأن كان أختيارك محدودا
وهذا هو سر الوجود
الحدود ليست مبررا للأنكسار
بل هي ميدان للقرار
أن يكون الإنسان
أو يظل مجرد كائن
يستجدي الوجود
بدون أن يشارك في صنعه
العطر الذي يخرج من أوراق الياسمين
ليس مجرد عبير
أنه دليل على أن العالم يترك أثره
حتى حين لا يطلب
وهذا أثر قد لا يراه أحد
لكن وجوده كاف
كي يجعلنا نفهم أن الوجود لا يكون بلا أثر
وإذا كان أثرنا هو ما يثبت إننا كنا
فإن كل فعل صغير
كل كلمة
كل صمت
هو كتابة لنا في الزمن
أوراق الياسمين لا تتكلم
لكنها لا تترك مجالا للجهل
ففي حضورها
تتوقف كل الحكايات
وتصمت كل الأقنعة
وتتبخر كل الأداءات
لان الأدعاء لا يقاوم حقيقة بسيطة
أن الوجود هنا
وأنه لا يحتاج إلى تفسير
بل يحتاج إلى إستجابة
كنت أعتقد أن المعنى هو أن أجعل العالم يفسرني
لكن الياسمين يعلمني
أن العكس هو الصحيح
أن الإنسان هو الذي يفسر العالم
وأنه لا يفسره ليجد الراحة
بل ليعرف أنه كان هنا
ولكي لا يضيع في الفراغ
الفراغ هو ما يخيف الإنسان
لأنه يذكره بالعدم
والعدم ليس مجرد نهاية
بل هو كل لحظة لا تعيشها بصدق
كل لحظة تتهرب فيها من نفسك
كل لحظة تحاول فيها أن تكون شخصا آخر
أو أن تلبس قناعا
أو أن تعيش كما لو أنك غير مسؤول
أوراق الياسمين تكتبني
لأنها ترفض القناع
وهي لا تملك قناعا
ولا تحتاجه
فهي في صميمها عارية
ولا تخجل
ولا تتباهى
فقط تكون
وهذا يكون هو المطلب الأكثر قسوة على الإنسان
لأن الإنسان لا يريد أن يكون
هو يريد أن يكون محكوما
محكوما بمعتقد
أو بمبدأ
أو بدين
أو بفكرة
حتى لو كانت فكرة خطا
لأن الحكم يخفف عن الإنسان عبء القرار
القرار هو الذي يرهقه
لان القرار يعني انك لا تستطيع ان تتهرب
أنك المسؤول الأول والأخير
أوراق الياسمين تكتبني
لأنها تذكرني أن الحرية ليست ترفا
ولا شعورا رقيقا
بل هي عبء ثقيل
كأنك تحمل في يدك نارا
وأنك إذا لم تحملها
فستحرقك
وإذا حملتها
فستحرقك أيضا
لكن الحرق هنا ليس موتا
بل وضوحا
الوضوح هو ما يزعج
لانه يزيل الأحتمالات
ويجعل العالم قاسيا
لأنه لا يعطيك مخرجا
ولا يعطيك تعويذة
ولا يعطيك قصة تحفظ بها كرامتك
الوضوح يجعل الإنسان وحيدا
ولكنه وحيد بطريقة حقيقية
وليس وحيدا بطريقة متصنعة
أوراق الياسمين تكتبني
لأنها تعيدني إلى نقطة لا أعشقها
نقطة انني لا أملك ذاتا ثابتة
أن الذات ليست جوهرا
بل هي فعل
هي ما تفعله
وليس ما تقول
وأن الكلام لا يثبت الذات
بل الفعل يثبتها
وإذا لم يكن الفعل
فلا شيء
وهذا هو السبب في آن الإنسان يخاف من الحقيقة
لأن الحقيقة تعني أنك لا تستطيع أن تتوقف عن صنع نفسك
حتى وإن اردت
وأن كل تأجيل هو تأجيل للموت
لأنه حين تؤجل أن تعيش
فأنت تموت في إنتظار أن تعيش
وهذا موت بطيء
لا يراه الناس
لأنه لا يصنع ضجيجا
العالم لا يرحم
وليس مطلوبا منه أن يرحم
الرحمة ليست صفة العالم
بل صفة الإنسان
لكن الإنسان لا يستطيع أن يرحم نفسه
حتى إذا تظاهر بالرحمة
لأن الرحمة الحقيقية
هي أن تعترف بالحقيقة
وتواجهها
ولا تهرب
أوراق الياسمين تكتبني
لأنها لا تمنحني ترف التفاؤل
ولا ترف التشاؤم
هي تضعني في حالتي الطبيعية
أن أكون
أو لا أكون
وهذا الخيار
هو الذي يصنع كل شيء
حين أرى الأوراق
أشعر أنني أمام محكمة بلا قاضي
حيث انا المتهم
وأني المحامي
واني القاضي أيضا
وليس هناك من يخفف عني
ولا من يبررني
فكل شيء يعود إلى ما أقدر أن أفعله
أو ما أرفض أن أفعله
الكتابة هنا ليست كتابة شعر
ولا كتابة نثر
بل هي كتابة حياة
وهذه الكتابة لا تنفع إلا حين تكون صادقة
والصدق لا يطلب جمالا
ولا بلاغة
ولا إستحسانا
الصدق يطلب أن يثبت
وأن يظل
حتى لو لم يقرأه أحد
أوراق الياسمين تكتبني
لأنها تذكرني أن الحياة ليست قصيدة
ولا قصة
ولا مسرحية
هي واقع
واقع لا يرحم
واقعيته ليست قسوة
بل هي طبيعة
وأن الطبيعة لا تساوم
ولا تشرح
ولا تعتذر
الطبيعة تفعل
والإنسان يحاول أن يفسر
لكن التفسير ليس هو الحقيقة
التفسير هو مجرد ملح
يضيف طعما
لكن لا يغير الواقع
الواقع هو أنك هنا
وأنك ستغادر
وأن كل ما تفعله
هو أن تترك أثرا
أو لا تترك
أوراق الياسمين تكتبني
لأنها تجعلني أعرف أنني لست وحدي في هذا العبث
وأن كل من يرفض الحقيقة
هو يهرب من نفسه
وأن كل من يقبلها
هو يواجه نفسه
وهذا يختلف عن الشجاعة
لأن الشجاعة قد تكون ترفا
أما مواجهة النفس
فهي ضرورة
وهذا هو ما يجعل الإنسان حرا
ليس حين يفعل ما يريد
بل حين لا يخدع نفسه
حين لا يضع نفسه في قفص
حين لا يهرب إلى قصص أخرى
حين لا يهرب إلى غياب
حين يظل هنا
في هذا الصباح
مع أوراق الياسمين
التي تكتبني
وتكتبني
وتكتبني
أوراق الياسمين ليست زهرة
ولا عطرا
ولا رمز
هي تجربة
تجربة الوجود بلا زينة
تجربة الإنسان بلا قناع
تجربة الحقيقة بلا وهم
وفي النهاية
حين تنتهي الأوراق
أو حين تنتهي أنا
لا يهم
لأن المهم ليس البقاء
بل أن تكون قد عشت
وأنك لم تترك الحياة
تسرق منك حقك في الوجود
بدون أن تقاوم
بدون أن تكتب
أوراق الياسمين تكتبني
وأنا أكتبها
لكن ليس بلسان مديح
ولا بلسان شكوى
بل بلسان أعتراف
أعتراف أنني إنسان
وأن الإنسان
ليس مخلوقا للراحة
بل مخلوقا للمواجهة
وهذا هو ما يجعل الحياة
حقيقية
وهذا هو ما يجعل أوراق الياسمين
لا تموت
حتى لو ذبلت
لأنها تظل تكتب
حتى بعد أن يسكنها العدم
كما تكتبني
حتى بعد أن أغادر
أوراق الياسمين تكتبني
الأديب:محمدنورالدين
أضف تعليق