

الـوعـي والتوحيـد والنـاس
التوحـيد هـو الأصـل، ولإرضـاء الشـهوات وأتبـاع الشـيطان كـان لابـد مـن التمـرد عـلي التوحـيد، والتمـرد عـلي التوحيـد هـو اتخـاذ إلهـة مـع الله سـبحانه وتعـالي، أو مـن دون الله سـبحانه وتعـالي، أو الإنكـار التـام لكـل شـئ، تحـت ادعـاء مـا هـي إلا حيـاتنـا الدنيـا (وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ. سـورة الجاثيـة 24 & إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ. سـورة المؤمنـون 37).
التمـرد عـلي التوحـيد بـدء بالتمـرد عـلي المنهـج والتكلـيف، فالله سـبحانه وتعـالي مالـك يـوم الـدين، والله سـبحانه وتعـالي هـو مـن وضـع السـنن والقوانـين والفطـرة، فهـذا حـق، وهـذا بـاطل. الحـق هـو الأصـل فـي نمـاء وإســلام وأمـان المـرء والمجتمـع، والبـاطـل هـو فسـاد المـرء وبالتـالي فسـاد الأسـرة والمجتمـع. الأهـواء تسـعي إلـي الزينـة وفـي الزينـة كـل مـا هـو بـاطـل، فالأهـواء ترضـي النفـس فقـط، دون الجمـيع وهـذا مـا يسـمي الأنانيـة الفـردية، وهـي الرغبـة فـي الاسـتحواذ عـلي كـل شـئ دون مقـابل.
مـن هنــا جـاءت الوثنيــة أو الإنكـار، فمـن سـكن الهـوي والشـيطان قلبـه، أفـرغ نفسـه مـن كـل مـا هـو حـق، ومـلئ النفـس بكـل مـا هـو بـاطـل، وهـو صـراط الهـلاك والجحـيم. للأسـف وثنيـة الحاضـر، هـي الإيمـان بالعـلم دون ســواه. أمـا الغـيب واليقـين مـا هـو إلا معتقـد شـخصي، غـير خاضـع للقيـاس فـي المعـامل والمختـبرات.
الـدين مشـروع ضـخم ينظـم المجتمعـات ويهـذب السـلوك البشـري، المقـارنة الشـكلية للمعتقـدات سـواء رسـائل سـماوية أو أفكـار وضــعية مـا هـو إلا هـراء. بـؤرة الإيمـان فـي التوحـيد أولا ومـن بعـدها يـأتي اليقـين الـذي يتبعـه الالتـزام.
التوحـيد خضـوع غـير مشـروط، فالله سـبحانه وتعـالي أعطـي الجمـيع العطـاء الـربوبي، شـرط الأخـذ بالأسـباب سـواء مـن المنكـر أو مـن المـؤمن، الكـل سـواء فـي العطـاء الـربوبي، فمـن خـلق كفيـل بمـن خلقـه. أمـا الإيمـان يتبعـه العطـاء الإلهـي فـي الجـزاء سـواء فـي الدنيــا أو الآخـرة. فـي التوحـيد تحصـين الإيمـان ضـد الظـروف والأزمـات، فمـا هـي إلا أختبـارات تقـوي الإيمـان لا تضـعفه بـل تـزيده رســوخا.
النـاس كلمـة مـاذا تعـني فـي عصـرنا الحـالي، وهـو العصـر الـذي تتبـدل فيـه الكلمـات، بمصـطلحات لأخفـاء حقيقـة مـا، وفـي تقـديري أن النـاس صـارت مـا يسـمي القطـيع. ومـن معـاني كلمـة النـاس مـن الجـذر اللغـوي للكلمـة، الحـركة والاضـطراب والفعـل ومنهـا النسـيان (وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا. سـورة طـه 115)، والنسـيان هنـا هـو الغفـلة والاضـطراب “لحظـة ضـلال”. مـع تـرك الأمـر والنسـيان تذهـب التقــوي وتتـواري. وفـي آخـر سـورة مـن القـرآن الكـريم 114، أســمها سـورة النـاس، وذكـر فيهـا كلمـة النـاس خمـس مـرات.
كلمـة النـاس ليســت نـداء عـام مجـرد للبشــر، لكـن تحـذير وتنبيـة لخـروج القطـيع مـن الغفـلة، إلـي يقظـة الـوعي فـي الفطـرة السـليمة، التـي فطـر الله سـبحانه وتعـالي الإنسـان عليهــا.
فـي النـاس الفوضـي والاضـطراب، وهـي الخطـوات الأولـي للتيـه الجمـاعي، والسـير العشـوائي بلا مشـروع أو هـدف أو غـاية مقصـودة. مـع تـرك الرسـالة السـماوية والابتعــاد عنهـا، يتـم السـقوط فـي حـالـة مـن العشـوائية المطلقـة، التـي تفسـد مشـروع الاسـتخلاف العظـيم.
مـع فقـدان المشـروع والهـدف والغـاية، البعـض يسـعي خلـف الاقتصـاد، والبعـض الآخـر يسـعي خلـف الحـروب والنـازعات، والبعـض الآخـر خـلف السـراب بـلا رؤيـة مسـتقبلية، تحكـم المسـار بعـيدا عـن العشـوائية (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ. سـورة النـور 39).
العشـوائية ليسـت دينـا، بـل تدمـير لوظـيفة الإنسـان فـي الخـلافة. مشـروع أبليـس هـو هـدم التوحــيد، وتحـويل الإنسـان إلـي مسـتهلك للـوهـم، بينمـا سـنة الله سـبحانه وتعـالي بالتـرابط والأنـدماج، لعمـارة الأرض وحفـظ المجتمعـات والأسـر والأفـراد (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ. سـورة الحجـرات 13).
عـندما يغفـل النـاس تتحجــر أفكـارهم وعقـولهم وقـلوبهـم (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. سـورة البقـرة 74).
عـندما تتكلـس القـلوب ترفـض التوحـيد والأرتقـاء المعـرفي المـؤدي إلـي اليقيـن بالله سـبحانه وتعـالي.
ومـن يتكلـس قلبـه أصـبح كالمـادة الصـلبة التـي ســتنحرق فـي آتـون الفوضـي، فالكفـر بالتوحـيد والســنن الكونيـة يجعـل مـن النـاس الغافليــن، مجـرد حطـام فـي نسـيج الـوجـود.
التوحـيد هـو الأنتشـال مـن الناسـية الفوضـوية إلـي الإيمـان الـواعـي، وفـي الإيمـان الصـلة الحقيقـية بالسـنن وخالقهـا وفاطـرها. فـي القطـيع ينشـغل النـاس عـن المشـروع الكـوني، والكـل يبحـث عـن ما يسـمي لقمـة العيـش وهـذا للعـامة، أمـا المتـرفين يسـعون إلـي الرفاهيـة والزينـة، فيتمـني العـامة مـا عـند المـترفين، فيفسـد الفـرد ومـن بعـد الأسـرة ومـن بعـدهـا المجتمـع (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ فِى زِينَتِهِۦ ۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا يَـٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَـٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ (79) وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّـٰبِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٍۢ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْا۟ مَكَانَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (82) تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّۭا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًۭا ۚ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. سـورة القـصص).
القطـيع هـو أنتحـار جمـاعي بطـئ، والعـامة هـم وقـود ومطيـه للمتـرفين، فالتـائه لا يبحـث إلا عـن قـوت يـومه دون وعـي بمصـدر الـرزق، فينســاق خلـف طبـول المتـرفين فـي حـركـة بروانيـة عشــوائية، تصـطدم ببعضها البعـض دون أنتـاج مـا ينفـع العـامة، لكـن ينفـع المتـرفين فقـط.
سـيكولوجيـة الاسـتهلاك ليسـت قـدرا، بـل غـواية تمنـع العقـل مـن رصـد السـنن، التـي أوضــعها الله سـبحانه وتعـالي فـي الكـون، وهكـذا يسـاق القطـيع. القطـيع هـو غثـاء السـيل الـذي يطفــو فـوق بحـر السـنن الكونيــة، بلا هـوية وبلا شــراع. والسـكينة لا تتنـزل عـلي الجمـوع الفوضـوية، بـل تتنــزل عـلي كـل مـن أيقـن فعـلم ففهـم فـأدرك.
سـورة النـاس فـي نهـاية الكتـاب الكـريم، تحـذير وتنبيـه للنـاس مـن الفوضـي العـارمة فـي القطـيع، وتحـذير وتنبيـه لمنـع الانـزلاق إلـي قطـيع العبثيـة، والـذي تتحـول الطـاقة الموجهـة إلـي اضـطراب عشـوائي يصـطدم بالسـنن الكونيـة.
الوسـواس الخنـاس هـو يـدير الفوضـي الجمـاعية بشـكل خفـي، وعـندما يفقـد القطيـع وعيـه، تصـبح نهـبا للنخـب الخفيـة، التـي تـزرع الـوهـم والسـراب والعبثيـة لضـمان البقــاء، وكضـمان لبقـاء القطـيع فـي حـالـة التيـه دون غـيرها. مشـروع الوسـواس الخنـاس (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًۭا. سـورة النسـاء)، وهـذا المشـروع يبـدأ بالضـلال، فـي زرع الأفكـار العبثيـة، التي تجعـل المـرء ينكمـش ويتخـلي عـن دورة فـي الخـلافة، فيتـم السـقوط تحـت وطـأة الجاذبيـة المـادية العميـاء، فيـأتمر بأوامـر النخـب دون وعـي بماهيتهــا.
الـواعي والعـاقل مـن يـدرك أن الخـلاص، فـي الأنتقـال مـن مجتمـع الرغبـات إلـي مجتمـع الواجبــات، ومـن عقليـة القطـيع المسـتهلك، إلـي عقليـة الخليفـة الراصـد للسـنن والفطـرة، ومـن يخالـف السـنن عليـه أنتظـار الجـزاء (فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ. سـورة الحـج 45).
الخـروج مـن التيـه ليـس قـرارا عاطفيــا أو تمنيـات قلبيــة، وللتحـول مـن عنصـر عشـوائي فـي قطـيع إلـي لبنـة بنـاء فـي نظـام كـوني وأجتمـاعي، لابـد مـن الانتقــال مـن مرحـلة الناسـية إلـي التوحـيد والإيمـان واليقـين. وهـذا لا يتـأتي إلا برفـض الوهـم، والاتصـال المباشـر بالله سـبحانه وتعـالي رب العرش العظـيم. المكـرم عنـد الله سـبحانه وتعـالي هـو مـن أتقـي الله سـبحانه وتعـالي حـق تقـاته (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ. سـورة الحجـرات 13)، لا عنصـرية ولا عرقيـة فـي المكـرم، ومـن يتـقي الله سـبحانه وتعـالي هـو الأكـثر رصـدا للحقـائق والسـنن، والمكـرم هـو الأكـثر قـدرة عـلي تحـويل الطـاقة الخـام إلـي حيـاة ونظـام مبـني عـلي المنهـج والتكلـيف.
العـاقل الـواعي مـن يتجـنب أن يكـون وقـودا للنـار بجهـله، بـل يسـعي أن يكـون نـور يضـئ عتمـة نفسـه، ويضـئ لمـن حـوله طـريق الهـداية والرشـاد.
خـالـد عـبد الصـمد.
أضف تعليق