الـوعي وتـدبـر المـاء.
المـاء كلمـة السـر والـذي لـم يكتشــف لغـزه حـتي الآن. سـائل لا لـون لـه، ولا طعـم لـه، ولا رائحـة لـه، لكنـه سـائغ الشـراب، ويمنـح كـل شـئ لـونه وطعمـه ورائحتـه.
قـال الله سـبحانه وتعـالي (أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًۭا فَفَتَقْنَـٰهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ. ســورة الأنبيـاء 30)، تـدبر الآيـة الكريمـة يوضـح أن السـماوات والأرض كانتـا ملتصـقتين بـلا فاصـل، وبمـزيد مـن التدبـر يتضـح أن ما نسـميه الأجـرام السـماوية فـي الحـيز الضـيق مـن خلـق الكـون، وهـو ما نسـميه المجمـوعة الشـمسـية كانـت وحـدة واحـدة، وهـذا كـان خـلق الله سـبحانه وتعـالي الأول بقـدرته وقيـوميته وصـمديتة.
وبعـد الفـتق جـاء قـول الله سـبحانه وتعـالي (وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ). فالمـاء السـائل العجـيب والمختلـف عـن كـافة السـوائل، سـواء طـبيعية أو صـناعية، هـو جـزء لا يتجـزأ مـن خلـق الله سـبحانه وتعـالي الأول. فـي الفتـق كـان تكـوين الشـمس نجـم المجمـوعة، وبقـدر الله سـبحانه وتعـالي أنـدمج الهـيدروجين والأكســجين، فتكـون المـاء بفضـل الله سـبحانه وتعـالي وقـدره.
وقـال الله سـبحانه وتعـالي وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ. ســورة هـود 7 – قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ (10) ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌۭ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (11) فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍۢ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ. سـورة فصـلت.
فـي تـدبر الآيـات توضـيح لكيفيـة خـلق الأرض فـي يومـين، وقـدرت الأرزاق فيهـا فـي أربعـة أيـام بما فيهـم خـلق الأرض فـي يومـين، والأرزاق منـذ الخـلق الأول وحـتي قيـام السـاعة، وكـان العـرش عـلي المـاء وهـذا يعـني وجـود المـاء أثنـاء الخـلق وتقـدير الأرزاق. كـان للأرض ظـاهرها وباطنهــا نصـيب مـن المـاء، ومـن هـذا الجـزء المحيطـات والبحـار والأنهـار والعيـون وغـيرها. وقـد وضـع الله سـبحانه وتعـالي القـانون السـنني لـدورة الميـاة فـي الأمطـار وأمـتزاج البحـار والمحيطـات والأمطـار، وكـل مـا يسـمي بـدورات المنـاخ وحـركة المـد والجـزر وغـيرها مـن القوانيـن السـننية التـي فطـرت عليهـا الأرض والسـماء.
قـال الله سـبحانه وتعـالي وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ مُّبَـٰرَكًۭا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّـٰتٍۢ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ. سـورة ق9.
جـاء ذكـر مـاء مبـاركا، وهـي المـرة الوحيـدة التي ذكـر فيهـا مـاءا مبـاركا.
وقـال الله سـبحانه وتعـالي وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ طَهُورًۭا (48) لِّنُحْـِۧىَ بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا وَنُسْقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَـٰمًۭا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًۭا. سـورة الفـرقان.
جـاء ذكـر مـاء طهـورا والذكـر أيضــا مـرة واحـدة. والطهــور هـو الطـاهر فـي نفسـه المطهــر لغـيره (إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ. سـورة الأنفـال 11)، وأقتـرن فـي الآيتيـن النـزول مـن السـماء، وفـي سـورة الفـرقان أرتبـط النـزول بالـرياح.
فـي تقـديري أن كلاهمـا هـو المـاء الأول المرتبـط بالخـلق وعـرش الله سـبحانه وتعـالي، وهـو المقـدار المقـدر مـن الميـاه بعيـدا عـن المـاء المخـتزن فـي بـاطن الأرض (وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ. سـورة المؤمنـون 18)، الأرض مسـتقر لهـذا المـاء، وليـس مـا فـي باطنهــا لكـن للحفـاظ عـلي الـدورة المائيـة اللأزمـة لحفـظ حيـاة الخـلائق، وقـد يؤكـد ذلـك قـول الله سـبحانه وتعـالي (ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَـٰرَ. سـورة إبراهـيم 32).
فالمـاء خـلق بقـدر جـزء للأرض لتحتفـظ بـه، كجــزء مـن قوانينهــا وفطـرتها، وجـزء لـه دورة ما بيـن السـماء والأرض، وهـو الأمطـار ومـا قـد ينجـم عنهــا مـن غيـث وسـيل وفيضـان وغـيرها.
وهـذا لا يتعـارض مـع مـا جـاء فـي سـورة النـازعات (وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَىٰهَا (31) وَٱلْجِبَالَ أَرْسَىٰهَا (32) مَتَـٰعًۭا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ. سـورة النـازعات. فمـا جـاء فـي الآيـات يـدعم ويـؤكـد ما جـاء فـي سـورة الأعـلي (سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى (1) ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ (2) وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ (3) وَٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ (4) فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحْوَىٰ).
فالله سـبحانه وتعـالي هـو الخـالق الـذي قـدر الأقـدار، وفـق مـراحـل الخـلق المختلفـة فـي كـل زمـان ومكـان، فهـو مـن أخـرج المـرعي، الـذي تحـول فيمـا بعـد إلـي الغثـاء الأحـوي، وهـو فـي أغلـب الظـن ما نسـتخدمه مـن وقـود الآن (الفحـم – البتـرول – الغــاز)، وقـد يفســر هـذا مـا جـاء فـي قـول الله سـبحانه وتعـالي (قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًۭا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ (81) إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. سـورة يـس).
الله هـو الخـالق البـارئ المصـور الفـاطر، جميعهـا أسـماء وصـفات لله سـبحانه وتعـالي، يجـب تدبـرها حسـن التـدبر، بما يناسـبها مـن الجـلال والتنـزيه.
خـالـد عـبد الصـمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ