

الـوعـي والمـلل والغفـلة والفـراغ
الشـعور أن الحيـاة اليوميـة تكـرارية، لا جـديد فيهــا، وفـي الوحـدة يهـاجم الصـمت دون جـدوي حـتي بتغـيير الأماكـن، فـراغ يلاحـق المـرء كالظـل يتبعـه أينمـا ذهـب.
فهـل هـذا المـلل النفسـي الـذي يصـيب الجسـد هـو مـرض العصــر؟.
فـي تقـديري أن المـرء عـندما يصـبح قشـرة مـن العـادات دون نفـس تسـكن القالـب الخـارجي، يصـاب بهـذه الآفـة الصـامتة داخليـا دون الخـارج.
القلـب إذا خـلا مـن الذكـر، تسـربت إليـه وحشـة لا يمـلأها أي شـئ. وهـذا لفقـدان النفـس الاتصـال بمصـدرها وسـبب وجـودها، النفـس عـندما تفقـد هويتهـا تبـدأ فـي البحــث عبثـا فـي الخـارج بيـن الأشـياء والمظـاهر، دون إدراك ما يغـذيها فـي الـداخـل.
هـذه العبثيـة نسـميها المـلل، عـندما يتحـرك المـرء بلا قصــد، ويعمـل بـلا لـذة. هـذا هـو الخـواء الداخـلي لانفصـال المـرء عـن غايتـه الـوجـودية، فـي مشـروع الاسـتخلاف العظـيم. فمـن لا يـدرك معـني الحيـاة، عـاش دون إدراك لطعـم الحيـاة. ومـن لا يعـرف طريقـة إلـي الله سـبحانه وتعـالي، تعـب وتـألـم فـي كـل طـريق (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ. سـورة طـه)، أرهـاق خفـي يصـيب المـرء للابتعـاد عـن الصـراط المسـتقيم، والسـعي إلـي صـراط الحجـيم.
جمـع وعمـل ولهـو لكـن القلـب فـارغ مـن النيـة والغـاية، عنـدما تضـل النفـس هويتهــا، ولا تجـد ما خلقــت لأجلـه، ســتظل فـي تيـة دائـم حـتي لو غمـرتها زينـة الحيـاة الدنيــا. هـذا المـلل خطــأ فـي التوجيــة “فقـدان البوصـلة”، فعنـدما لا تعـرف النفـس ما يحييهـا، تـرهق نفسـها بمـا قـد يهلكهــا، فـإذا لـم تشــغل النفـس بالحـق، شــغلت نفسـها بالبـاطل. فـيزداد الفـراغ عـندما يشـبع الجسـد ويـزداد جـوع النفـس. لهـث خلـف المتعــة السـريعة مـع ازديـاد الخـواء الداخـلي العميـق. التخـلص مـن عبـودية الدنيـا هـو أول طـريق الخـلاص، فالدنيـا مـا هـي إلا ظـل ليـس فيـه دوام (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا. سـورة الفـرقان).
مـع أهمـال مصـباح القلـب ينطفـئ، وتتـراكم عليـه الأتـربة مـن الخـارج، ومـع مـرور الـزمن يفقـد القـدرة عـلي الانتعـاش داخليـا، بما يلهيـة مـن الخـارج. والعـلاج ليـس الهـروب مـن الحيـاة، بـل فـي تطهـير النيـة وإحيـاء القلـب. اعتيـاد المـلل والتكيـف معـه، يتحـول المـرء إلـي أداة بـلا روح، يعيـش وينـام ويمـوت دون أن يشـعر أنه عـاش.
هـذا النـوع مـن المـلل يتلـف النفـس ببـطء، فيصـير المـرء غريـب عـن نفسـه، يتحـدث ولا يشـعر بما يتحـدث بـه، ويبتسـم دون إحسـاس بماهيـة الأبتسـام، فتتحـول الحيـاة إلـي تمثيــل بـلا غـاية. العـلاج فـي إحيـاء الفـراغ الـداخـلي، فهـو لا يمـلأ بالضـوضاء والصـخب بـل بالسـكينة، والشـفاء ليـس بالهـروب بـل بالعـودة إلـي الأصـل، ولا يصـلح إلا إذا صـار مسـكنا صـالحا لحضـور المعـني، ومـن يعـرف المعـني يجـد الرضـا فـي كـل خطـوة، ومـن فقـدها صـار وقـودا للشــهوات. الـزمن يمضـي عـلي الجميـع متسـاويا، ومـن يمـلأ الـزمن بالـوعي اليقـظ والنيـة الحسـنة فـاز، ومـن لـم يفعــل تـأكـله الأيـام كمـا تـأكـل النـار الحطــب.
القلـب الخـالي مـن ذكـر الله سـبحانه وتعـالي، يسـكنه الشـيطان، ومـا سـكن الشـيطان قلبـا إلا أورثـه الضـيق وأن أتسـعت الدنيـا (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. سـورة البقـرة 268).
مـع فـراغ القلـب مـن الـذكـر تبـدأ الغفـلة فـي التسـلل إلـي القلـب رويـدا رويـدا، والغفـلة أول خطـوات الشـيطان (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا. سـورة النسـاء 119). أول الغفـلة لحظـة، ثـم تصـبح عـادة، ثـم تصـير طـبيعة وعمـل. الغفـلة سـلسـلة مـن التنـازلات ليحـل الضـلال، وهـذا نتيجـة عـدم ترتيـب الأولـويات بيـن الجسـد والنفـس. للمـرء وجهـان أحداهمـا أرضـي والآخـر سـماوي، وإذا غلـب أحدهمـا عـلي الآخـر أختـل التـوازن. اللـذات السـريعة تشـبه المـاء المـالح لا يـرتـوي منـه المـرء مهمـا شـرب منـه، بـل يـزداد عطشـا. التـوازن لا يعـني الـزهـد المـادي المتطـرف، بـل بالتـوازن فكمـا يتغـذي الجسـد، لابـد مـن تغـذية النفـس، وغـذاء النفـس فـي الفكــر والذكـر والتـدبر والترتيــل. وكمـا يتواصـل الجسـد مـع الآخـرين، لابـد أن يتواصـل الجسـد مـع نفسـه.
العـاقل الـواعي يـزرع ما يتجـاوز اللحظــة، وانتظـار الحصـاد حكمـة العـاقل، وفـي المعـني تتحـول اللحظـة إلـي عمـر كـامـل، ومـن يتجـاهل المعـني سـفه نفسـه، فتحـولت نفسـه إلـي دوامـة عليـه لا فـرار منهـا. النفـس كالطفـل بالأهمـال يشـب عـلي الجهـل، وفـي الجهـل الكســل والفتــور والانـزلاق إلـي الغفــلة، ومـع العـلم والتهذيـب يشـب الطفـل عـلي النـور والهدايـة. ولابـد مـن الحـذر تكـرار العبـادة دون حضــور، والذكـر بلا وعـي تحـول إلـي عـادة مكـررة بـلا طـاعة وخشـوع.
ومن دون المشـاعر الصـادقة تتحـول الأعمـال إلـي ما يسـمي روتيـن جامـد. ومـن جعـل مـن أعمـاله كـافة طريقـا إلـي الله سـبحانه وتعـالي، وجـد المعـني. وبمخالطـة الغافليـن يصـاب المـرء بعـدوي السـطحية، ومـن خـالط أهـل الذكــر اسـتعاد طهـارته مـن خبـث المحيـط. ومـن لا يتفكـر سـيعيـش عـلي هامـش الحيـاة مهمـا كـثرت الأعمـال، صــفاء القصــد خـير مـن كـثرة الفعــل المعتـاد، وهـذا بـداية طـريق العـودة إلـي المعـني.
عـندما يصـاب الـوعـي بالقصـور مـن الاعتيـاد القـاتل، الكـامن فـي التعـود عـلي الغفـلة، يحـب المـرء الغفـلة ويكـره اليقظــة. مـن اعتـاد الحيـاة بـلا تـأمل، يخشـي مـن مواجهـة نفسـه، فيهـرب مـن المواجهـة ويـزداد الانغمـاس فـي السـطحية (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ. سـورة النـور 39).
فالنفـس التـي لـم تـروض عـلي التفكــر، ألفــت اللهـو دون غـيره (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. سـورة الحـديد 20)، مـن ألـف ضـجيج الدنيـا دون إدراك أنـه يخـرب ويفسـد ســكينته هـوي، فمـن أسـكن الأغيـار فـي قلبـه طـرد المعـني مـن نفسـه، ومـن أمتـلاء بشـوائب الدنيـا، لـن تجـد السـكينة مكـانا فـي نفسـه فتذهـب عنـه، ومـن أراد أن يسـمع صـوت الحـق يسـكت ضـجيج نفســه أولا.
الـواعي والعـاقل يتحـدث مـع قلبـه كمـا يتحـدث مـع الآخـرين، ليتخـلص مـن المؤثـرات الخارجيـة، وليعيـد ترتيـب محيطـه وأولـولياته، ويجـب تهذيـب النفـس عـلي التفكـر والتدبـر والذكـر، التـدبر والتـأمل عبـادة منسـيه فيهـا يقظـة الـوعي، وشـحذ النفـس لمـؤازرة الحـق ومواجهـة الباطـل، الغـافل يمـر عـلي المعجـزات دون أدراكهـا كمـا يمـر الأعمـي عـلي الألـوان. غيـاب الهـدف عـن الغـافـل يحبـط أعمـاله (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا. سـورة الكهـف).
العـاقـل والـواعي هـو مـن يـدرك أنـه فـي معيـة الله سـبحانه وتعـالي دائمـا وأبـدا (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. سـورة ق 16)، ومـن لـم يـذق اللـذة فـي معيـة الله سـبحانه وتعـالي، وجـد المـرارة فـي كـل شـئ مـن دون الله.
العـلاج فـي العـودة إلـي البسـاطة الأولـي، التـي خـلق فيهـا القلـب صـافيا متصـلا ممتنــا (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. سـورة الـروم 30).
والسـكينة ليسـت فيمـا يمـلك المـرء، بـل فيمـا أدرك. والسـعادة ليسـت فـي الكـثرة، بـل فـي الرضـا بمـا نمـلك، وهنـا تحـل السـكينة، السـكينة ليسـت بالامتـلاك، ولكـن بالحضـور والـوعي والشـكر.
الـواعي والعـاقل يـدرك أن ذكـر الله سـبحانه وتعـالي هـو اتسـاع النفـس والطمأنينـة حـتي فـي أحلـك الظـروف ( إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. سـورة الأحـزاب).
الغـافل هـو مـن تضـيق نفسـه بـه دون سـواه، ومـن لا يعـرف نفسـه أنكـرته نفسـه. ومـن عـرف نفسـه نجـا مـن فراغهــا، وحـين يجهلهـا عـاش غريبــا عنهـا وهـلك بهـا.
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. ســورة التـوبه 67.
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. سـورة الحشـر 19.
وأخـيرا أن احسـنت فمـن توفيـق الله سـبحانه وتعـالي وأن أخطــأت فمـن نفسـي والشـيطان.
خـالـد عـبد الصـمد.
أضف تعليق