

الـوعي والوصـايا والاختـلاف والأهـواء (1).
الوصـايا التـي أنزلهـا الله سـبحانه وتعـالي عـلي الرسـل والأنبيـاء، ضـاع منهـا مـا ضـاع وحـرف منهـا مـا حـرف للاختـلاف والتحـزب. القـرآن الكـريم هـو الرسـالة الخاتمـة، وجـاء مهيمنـا عـلي الكـتب السـماوية “الهيمنـة هـي الحفـظ والإحيـاء وليسـت السـيطرة كمـا فـي المعـني الـدارج”، القـرآن الكـريم هـو الحيــاة لهـذه الوصـايا والحفـاظ عليهـا، بعـد أن إنـدثر منهـا الكـثير، فكانـت التقـوي هـي المنهـج والتكليــف العمـلي لحمـاية المجتمعــات، مـن الفسـاد والانحـراف عـن الصـراط المسـتقيم إلـي صـراط الحجـيم.
الوصـايا هـي منهـج وتكلــيف، يكفـل صـلاح الفـرد ثـم الأسـرة ثـم المجتمـع ثـم الأمـة. تـدبروترتيـل الآيـات التـي تتحـدث عـن الوصـايا، تعطـي الجـواب المباشــر عـلي ماهيــة الوصــايا.
المضـامين والمفـاهيم والمعـاني التـي جـاءت فـي الصـحف والتـوارة والإنجيــل والـزبر مـوجودة فـي القـرآن الكـريم. والقـرآن الكـريم صـحح مـا حـرف سـواء بالحـذف أو الأضـافة أو التعـديل المناسـب للأهـواء.
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ. سـورة البقـرة 79.
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. سـورة التـوبة.
بتـدبر القـرآن الكـريم يمكـن تتبـع الوصـايا وأسـتنباطها، قـال الله سـبحانه وتعـالي فـي سـورة المـائدة (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ). الكتـاب واحـد والأصــل واحـد والمرجعيـة واحـدة، والصـراع مـا هـو إلا زرع بـذور التحـزب والتفـرق والاختـلاف، (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. سـورة آل عمـران).
لا صـراع بيـن الكـتب السـماوية، فالرسـالة واحـدة أتــت عـبر الرســل والأنبيــاء، للتذكـير وأرسـاء القـواعد لمشـروع الأســتخلاف العظـيم (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ. سـورة الحجـر).
ومـن أراد الاســتئثار بالـدين، قسـم المجتمـع شــيعا، كـل شـيعة تـدين الآخـري بمـا لـم ينـزل بـه الله سـبحانه وتعـالي، مـن عـلم أو سـلطان، لكـن أرضـاء للأهـواء والشـهوات والزينـة والرفعـة.
قـال الله سـبحانه وتعالي (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ. سـورة الشـوري 13).
وهـذه الآيـة تفيـد وتعـني التشـريع فـي الوصـية، وأن الـدين واحـد لا اختـلاف فيـه، والوصـية هـي التواصــل بيـن الأجيـال، للمحافظــة عـلي توصــيل المعـارف الضـرورية لأســتمرار الحيـاة وفـق الفطـرة السـليمة. ومـن هنـا يتضـح أن الوصـية لنبيـه نـوح عليـه السـلام، أتصـال مـا قبـل الطـوفان بمـا بعـد الطـوفان. والوصـية كانــت للتطهـير مـن الأنحـراف عـن الصــراط المسـتقيم والفطـرة السـليمة.
وهـذه الآيـة جامعـة للرسـل والأنبيـاء مـن نـوح عليـه السـلام حـتي محمـد صـلي الله عليـه وسـلم، والوصـية بمنتهـي الوضـوح أن أقيمـوا الـدين ولا تتفـرقوا فيـه، ليكـون نظـام الجـزاء لمحاسـبة النـاس ثابــث.
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. سـورة الـزلزلة.
وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا. سـورة الأسـراء.
وفـي الآيـة مـن سـورة الشـوري، النهـي عـن التفـرق (وجـود فـريق وفـرق مقـابل)، وهـذا يـؤدي فـي النهـاية إلـي الصـراع والنـزاع وقـد يـؤدي إلـي الاقتتـال. ولذلـك قـال الله سـبحانه وتعـالي كـبر عـلي المشـركين مـا تـدعـوهم إليـه، والشـرك هـو أشـراك إلـه آخـر مـع الله سـبحانه وتعـالي، وفـي هـذا الشـرك هـدم لنظـام القـواعد الكـبري، التـي أرسـاها الله سـبحانه وتعـالي (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا. سـورة النسـاء 48)، المشـرك لا يرغـب فـي الاكتفـاء بأتبـاع منهـج وسـنن وقوانيـن الله سـبحانه وتعـالي، وهـو لا يرغـب فـي الـرؤية الصـافية، بـل يرغـب فـي المنـاطق الـرمـادية التـي تحـقق لـه المصـالح والمنـافع. ومـن هنـا يـأتي تقسـيم المجتـمع إلـي فـرق وأحـزاب وغـيرها، فيفســد ويضـل بعيـدا عـن التوحـيد المطـلوب وهـو أصـل الفطـرة.
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66) لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. سـورة الأنعـام.
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. سـورة الحـج.
الشـيطان دائمــا وأبـدا يحـض عـلي التفـرقة والشـقاق، والفتنـة داء مـن فـي قـلوبهم مـرض، والقاسـية قـلـوبهم، فيلقــي بالعـدواة والبغضـاء فـي التحـزب والفـرقة والصـراع والنـزاع.
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ. سـورة المـائدة 91.
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. سـورة البقـرة.
وهـذا الشـرك يمنـع عقـول العـامة مـن أتبــاع الله سـبحانه وتعـالي، وذلـك بتفـرقة المجتمـع إلـي فـرق وشـيع وأحـزاب، كـلا منهـا يتبـني تـأويـل الكتـاب بطريقـته ووفـق أهـوائه ومصـالحه.
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. سـورة المـائدة 41.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. سـورة فصـلت 40.
أكتفـي بهـذا القـدر ونكمـل فـي الأجـزاء القـادمة أن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خـالـد عـبد الصـمد.
أضف تعليق