

فجر العقل:
لم أصل إلى هذه القناعة دفعة واحدة
بل جاءتني متقطعة
مع أسئلة لم أجد لها جوابا جاهزا
ومواقف أكتشفت فيها أن اليقين السهل
غالبا ما يكون أضعف من الشك الصادق
تعلمت من النظر الطويل
أن الحقيقة لا تتبدل
لكن علاقتنا بها هي التي تنضج أو تتصلب
وأن إختلاف الفهم لا يجرحها
كما لا يجرح الضوء إختلاف زوايا السقوط
كلما حاولت أن أفهم النص بمعزل عن العقل
وجدته صامتا
وكلما دفعت العقل بعيدا عن الهداية
وجدته واثقا أكثر مما ينبغي
فأستقر عندي أن الفهم لا يولد من أحدهما منفردا
بل من صحبتهما
حين لا يستعلي أحدهما ولا ينسحب
لم أجد في السؤال خيانة
ولا في المراجعة ضعفا
بل وجدت أن أخطر ما يصيب الفكر
هو الأطمئنان السريع
الذي يغلق الباب قبل أن يكتمل النظر
رأيت كيف يتحول الخطأ
من فرصة للفهم
إلى تهمة
حين يغيب الإنصاف
وكيف يصبح الأختلاف
سببا للعداء
حين يعجز العقل عن إدارته
لا حين يكثر
لم أقنع يوما أن العنف يحمي معنى
ولا أن القهر يصنع إقتناعا
فمن يملك الحجة
لا يضيق بالصوت الآخر
ومن يخاف السؤال
يعوض خوفه بالمنع
الدين كما فهمته
لم يطلب مني أن أعطل أداتي
بل أن أصلحها
ولم يدعني إلى تقليد أعمى
ولا إلى تحرر منفلت
بل إلى ميزان
أعرف به متى يكون العقل طريقا
ومتى يتحول إلى هوى
كلما ضاق صدر إنسان بالمختلف
أحكم يقيني
أن المشكلة ليست في الفكرة الأخرى
بل في هشاشة فكرته هو
فالحق لا يحتاج إلى أسوار
ولا إلى حراس للصمت
لهذا أخترت القلق المنتج
على الطمأنينة الكسولة
وأخترت أن أفهم
قبل أن أحكم
وأن أصلح نظري
قبل آن أطالب غيري بالتراجع
هذا الكلام لا أكتبه دفاعا عن موقف
ولا مناكفة لتراث
بل وفاء لتجربة فهم
علمتني أن من صحّت أداته
أتسع صدره
ومن أتسع صدره
لم يحتج أن يقصي أحدا
هذا بيان شخصي
في الإنصاف
وفي كرامة العقل
وفي فجر
لا يبدأ من الخارج
بل من لحظة
يقرر فيها الإنسان
أن يكون صادقا
مع ما يفكر فيه فعلا
من ديوان :كن فجرا
الأديب:محمدنورالدين
أضف تعليق