

الفراغ الذي أعادني إلى نفسي:
لم يكن غيابها مجرد فراغ في المكان،
كان تأكيدا صارخا على حقيقة لم أستطع مواجهتها من قبل:
أننا وحدنا دائما،
حتى حين يقف الآخر أمامنا،
نظل بعيدين عن ذاته، ونظل بعيدين عن ذواتنا.
كنت أظن أن وجودها سيضيف شيئا إلى عالمي،
شيئا ملموسا، شيئا يمكن أحتواؤه أو تفسيره،
لكني أكتشفت سريعا أن وجودها الحقيقي، وجود الآخر عموما،
ليس ليكتمل العالم به،
بل ليكشف عن كل النقص الذي نحمله بصمت.
هو مرايا تجبرنا على مواجهة أنفسنا،
على إدراك كل ما كنا نتجاهله،
كل ما حاولنا أن نخفيه وراء أعذارنا وطقوسنا الصغيرة.
حين كانت قريبة، لم أكن أمتلكها،
لم أكن أملك شيئا سوى فكرة عنها،
فكرة تمنحني راحة وهمية،
أمانا زائفا في عقل مشغول بالخوف.
الحقيقة أن وجودها كان أعمق بكثير،
تجاوز حدود فهمي،
تجاوز حاجتي لأن أفسر أو أسيطر أو أملك.
الحرية هنا ليست حرية أن تكون معي أو بعيدة،
ولا حرية أن أختار أن أقترب أو أبتعد،
بل هي حرية التعامل مع نفسي،
مسؤولية مطلقة عن شعوري، عن قراراتي، عن الفراغات التي صنعتها بيننا،
عن الفراغات التي صنعتها لنفسي في حياتي كلها.
هي لم تفعل شيئا في العالم،
لكنها أزاحت الغطاء عن كل عجزي،
عن كل الأكاذيب التي كنت أرويها لنفسي،
عن كل الأعذار التي كنت أختلقها لأتجنب مواجهة حياتي.
حين غابت، لم أشعر بوحدة تقليدية،
لم أشعر بفقدان من شخص غاب،
شعرت فقط بالمسؤولية الصافية عن فراغي،
عن الوقت الذي أهدرته، عن الفرص التي رفضت الإعتراف بها.
كل حركة منها، كل صمت، كل نظرة لم تكن رسالة حب أو رفض،
كانت موقفا.
موقفا صارخا، يختبر وجودي، يقيس قدرتي على مواجهة الحرية، على مواجهة الفراغ، على أن أكون صادقا مع نفسي.
كنت أظن أن الحب يعطينا، أن الحب يمنحنا،
لكن الحرية لا تمنح، والمسؤولية لا تعطي،
كل واحد منا وحده أمام قراراته، أمام أفعاله، أمام الفراغات التي لا أحد سيسدها عنا.
كل حضور للآخر يضعنا أمام أنفسنا،
ولا يسمح لأي خداع أن يمر بلا إكتشاف.
أنا هنا الآن، أتذكرها،
لكن ليس لأحبها،
وليس لأفتقدها،
بل لأفهم نفسي،
لأدرك أن الحياة ليست ممتلئة بالآخرين،
بل ممتلئة بما نفعله بأنفسنا،
حين يقف الآخر أمامنا، فإنه لا يمنحنا شيئا سوى فرصة لرؤية ما نحن عليه حقا.
الفراغ بيننا ليس فراغها، ولا فراغي،
إنه الفراغ الذي يفرضه الوجود،
الفراغ الذي يجعلنا مسؤولين عن كل شيء،
ويكشف عن كل الخيانات الصامتة التي نخفيها لأنفسنا،
كل التنازلات التي نبيع بها أرواحنا لنشعر بأمان مؤقت.
حين أفكر فيها، أفكر في الحرية على حقيقتها:
الحرية ليست امتلاكا،
الحرية ليست أختيارا بين ما يسرنا وما يضايقنا،
الحرية هي مواجهة كل ما نحن عليه،
مع كل الصمت، مع كل الفراغ، مع كل الألم الذي نرفض رؤيته.
في حضورها أدركت أن التفكير ليس ترفا،
وأن المواجهة ليست خيارا،
وأن الحب، إذا لم يكن إنعكاسا للحقيقة،
ليس سوى وهم مقنع للجبن.
الحرية الوحيدة التي يتركها الآخر لنا هي فرصة مواجهة أنفسنا،
والخيار الوحيد هو أن نكون صادقين مع هذا اللقاء،
أو نواصل الخداع، لكننا لا نسمح لأنفسنا أن نعيش.
كل شيء حولها، كل لحظة، كل إبتسامة لم تكن سوى أختبار:
هل أستطيع أن أتحمل أن أكون أنا، بلا قناع، بلا حماية، بلا تبرير؟
هل أستطيع أن أحتمل الفراغ، أن أحتمل الصمت، أن أحتمل الحقيقة؟
كنت أجد نفسي ضعيفا، كنت أجد نفسي خائفا،
لكنني كنت أكتشف أن القوة الحقيقية لا تأتي من السيطرة،
بل من الأستسلام للوجود كما هو، بلا خديعة، بلا طمس، بلا توجيه.
حين أبتعدت، لم يتركها غيابها وحده،
ترك مكانا شاغرا في داخلي،
لكن هذا المكان لم يكن للحنين،
كان للمساءلة،
كان للوعي بأن كل شيء كنت أؤخره، كل شيء كنت أخاف مواجهته،
يظهر الآن في الفراغ بيننا، بلا مراوغة، بلا أعذار.
هي ليست امرأة، ولا علاقة، ولا فكرة رومانسية،
هي موقف،
لحظة صارخة من الحقيقة،
أختبار صارم للحرية،
وشهادة على أن الوجود ليس ممتلئا إلا بما نختار أن نراه،
وبما نختار أن نكونه.
سلام عليها لا لأنها جميلة،
لا لأنها غريبة،
لا لأنها تمنح شيئا،
سلام عليها لأنها أظهرت لي، ببساطة وجودها،
أن الوعي بالحرية مسؤولية لا يهرب منها أحد،
وأن الفراغ ليس خيبة،
بل الطريق الوحيد لفهم ما نحن عليه حقا.
من كتاب:الكنز اللغوي للحروف والكلمات
الأديب:محمدنورالدين
أضف تعليق