

سفر النقض والأقتلاع:
لم أبدأ الكتابة لأن لدي ما أقوله،
بل لأن ما قيل قبلي كان أكثر مما أحتمل.
في البداية كنت أظن أن اللغة مساحة أمان،
مكانا أرتب فيه أفكاري،
وأمنحها شكلا مقبولًا،
ثم أمضي.
لكن شيئا ما كان ينهار كلما أنتهيت من نص.
الإحساس نفسه يتكرر:
أن ما كتب صحيح من حيث الصياغة،
وخاطئ من حيث الجوهر.
كأن المعنى يسلم نفسه بسهولة مريبة،
وكأن الكلمات تسبق التجربة
وتفرض عليها شكلها.
مع الوقت
بدأ الشك يتسلل لا إلى الأفكار،
بل إلى اللغة نفسها.
إلى تلك السلاسة التي كنت أعدها فضيلة،
وإلى الفصاحة التي كانت تمنحني شعورا زائفا بالأكتمال.
كل جملة محكمة
بدت لي لاحقا
كأنها باب أُغلق باكرا.
تغير شيء جوهري
حين أدركت أن المعنى لا يفقد حين يتشظى،
بل حين يستقر.
الأستقرار كان المشكلة.
كل فكرة تصل إلى حالة الطمأنينة
تبدأ في الدفاع عن نفسها،
وتتوقف عن طرح الأسئلة.
من هنا بدأ النقض،
لا كهدم،
بل كطريقة للعيش داخل الفكرة أطول وقت ممكن.
تفكيك الجملة
صار أهم من إنهائها.
التردد
صار أكثر صدقا من الحسم.
والنقص
أقرب إلى التجربة
من الكمال المصقول.
تعلمت أن الكلمات المهذبة
نادراً ما تحتمل الحقيقة.
وأن الألفاظ التي أُبعدت عن الأستعمال
لم تقص لأنها ضعيفة،
بل لأنها لا تعرف كيف تساير.
في تلك المناطق المعتمة من اللغة
وجدت ما يشبه التجربة الأولى:
كلمات متعبة،
غير واثقة،
لكنها لا تكذب.
أمتدت هذه التحولات ببطء.
لم تكن قطيعة مفاجئة،
بل تآكلا داخليا
في الثقة بما يبدو بديهيا.
كل نص جديد
كان يطالبني بالتخلي عن يقين قديم،
لا لأن اليقين خاطئ بالضرورة،
بل لأنه أصبح مريحا أكثر مما ينبغي.
مع مرور السنوات
لم تعد الكتابة محاولة للإقناع،
ولا بحثا عن أثر.
صارت أختبارا صامتا:
هل ما زال هذا المعنى حيا
أم أنه يعيش فقط
لأن أحدا لم يلمسه؟
لم أصل إلى حقيقة نهائية.
ولا أظن أنني سأفعل.
ما وصلت إليه أبسط وأثقل:
وعي بأن المعنى مسؤولية مؤقتة،
وأن كل من يحمله
مطالب بإعادة فحصه
قبل أن يتحول إلى عبء على غيره.
لهذا لم تعد الكتابة عندي فعل إضافة،
بل فعل إزالة.
إزالة ما تراكم،
ما تكلس،
ما أدعى أنه وصل.
وهكذا
لم تنته الرحلة إلى يقين،
بل إلى حذر.
حذر من اللغة حين تطمئن،
ومن الفكرة حين تكف عن القلق،
ومن النفس
حين تتوقف عن النقض
وتسمي ذلك نضجا.
الأديب، محمد نورالدين
أضف تعليق