

العيطبول:
في البداية لم أنتبه لها،
وهذا وحده كان علامة.
الأشياء الخطيرة لا تدخل حياتك وهي تلوح بيدها،
بل تجلس بهدوء في الزاوية،
وتنتظر أن تكتشفها بنفسك.
العيطبول لا تشبه الفتيات اللواتي يملأن المكان،
هي تشبه تلك التفاصيل التي لا تراها في اللحظة الأولى،
ثم لا تستطيع نسيانها بعد ذلك.
كصوت ساعة في غرفة صامتة،
أو فكرة صغيرة تفسد عليك يقينا قديما
كنت تعيش به مطمئنا.
هي ليست جميلة بالمعنى السريع،
ليست من ذلك الجمال الذي تلتقطه العين وتغادر.
جمالها يعمل ببطء،
كشيء يتسلل إلى الوعي،
ويجبرك على إعادة النظر
في تعريفك السابق للجمال.
حين تتكلم،
لا تحاول إقناعك بشيء،
وهذا ما يربك.
معظم الناس يتحدثون ليكسبوا،
أو ليدافعوا،
أو ليتركوا أثرا.
أما هي،
فتتحدث كمن لا يحتاج إلى إثبات.
صوتها لا يعلو،
لكن الأفكار التي تتركها خلفها
تحتاج وقتا طويلا كي تهدأ.
اكتشفت مبكرا
أن الوعي الذي تحمله
ليس معرفة محفوظة،
ولا ثقافة مستعارة،
بل تجربة حقيقية،
وعدد لا يستهان به من الخيبات المفهومة.
هي تعرف متى تصمت،
وهذه مهارة نادرة.
الصمت في هذا الزمن
يحسب هزيمة،
أما عندها
فهو أختيار.
العيطبول لا تناقشك،
هي تطرح سؤالا فقط،
ثم تتركك تتعثر فيه وحدك،
لتكتشف لاحقا
أنك كنت بحاجة لهذا التعثر.
وجودها لا يمنحك الطمأنينة،
بل يوقظ فيك شيئا قديما،
شيئا أقنعته بالموت ذات يوم
لأن الحياة كانت أسهل بدونه.
هي لا تؤمن بالبطولات الصغيرة،
ولا بالحب الذي يطلب التصفيق،
ولا بالعلاقات التي تعيش على الوهم.
وهذا ما يجعل القرب منها
مرهقا أحيانا،
ليس لأنها قاسية،
بل لأنها صادقة أكثر مما يحتمل البعض.
العيطبول لا تقدم نفسها كقدوة،
ولا تحاول إصلاح العالم.
هي فقط تعيش كما ترى،
وهذا وحده كفيل بإزعاج نظام كامل.
حين تضحك،لا تشعر أنها تحاول أن تكون محبوبة.
وحين تحزن،
لا تطلب تعاطفا.
هي تدير مشاعرها
كما يدير شخص بالغ خسائره،
بهدوء،
وبلا ضجيج.
الرجال لا يقعون في حبها بسهولة،
لأنها لا تمنحهم ذلك الشعور المريح بالسيطرة،
ولا تلعب دور الدهشة الدائمة.
هي لا تحتاج أن تكتشف،
لأنها تعرف نفسها جيدا.
والأخطر من ذلك،
أنها تعرفك
قبل أن تنهي جملتك.
العيطبول لا تترك فيك ذكرى،
بل تترك أثرا.
فرقا صغيرا
في طريقة نظرك إلى الأشياء،
في طريقة حكمك على الناس،
في أسئلتك عن نفسك.
وحين تغيب،
لا تفتقد حضورها،
بل تفتقد تلك النسخة منك
التي ظهرت وأنت تتحدث معها.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
لأن بعض الأشخاص
لا يمرون في حياتك مرور الكرام،
بل يغيرون ترتيبها،
ثم يرحلون
دون أن يلتفتوا.
والعيطبول
واحدة من هؤلاء..
من سلسلة:العيطبول
al’adib mohamadinuraldin mohamad
أضف تعليق