الـوعـي والعطـائية فـي التـوكـل.
كلمـات الله ســبحانه وتعـالي حيـاة للقـلوب، وفـي الذكـر طمأنيـنة للنفـوس، وفـي حكمتـه النـور الهـادي للحائـرين.
فـي تـدبر كلمـات الله ســبحانه وتعـالي يقظـة للقـلوب، وفيهـا تذكـرة وتوضـيح لماهيـة الإنسـان، وإلـي أيـن يمضـي، وإن الله ســبحانه وتعـالي هـو الملاذ حيـن تضـيق الطـرق وتغـلق الأبـواب. فـي التـدبر تزكيــة النفـس بالـدخـول إلـي عـالم النـور والبصــيرة.
ترتيـب الـداخـل لا يحتـاج سـوي معـرفة الله ســبحانه وتعـالي حـق المعـرفة، والمضـي قـدما نحـو الله ســبحانه وتعـالي بخطـا ثابتـة، مهمـا كانــت العـوائق الظـاهرة، فالبحـث عـن السـكينة فـي زمـن القـلق والريبـة والتشــتت، يسـتحق المعـاناة لفتـح أبـواب البصـيرة، التي تعـيد للقلـب تـوازنه بالقـرب مـن الله ســبحانه وتعـالي.
التـوكل عـلي الله وتجـريد القلـب مـن الاعتمـاد عـلي الأســباب، مفتـاح تحــرر النفـس مـن أغـلال الأهـواء والشـهوات والنـزوات.
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا. سـورة الطـلاق 3.
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. سـورة آل عمـران 159.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. سـورة ابراهـيم 11.
التـوكـل ليـس كلمـة تقـال باللسـان، ولا فكـرة عـابرة فـي الخـاطر أو الذهـن، بـل هـو حالـة قلبيـة عميقـة، فيهـا يتحـرر المـرء مـن عبـوديته للأســباب، ويتحـول بكليتـه إلـي بـاب الرحمـن، حينهـا الجـوارح تعمـل وتسـعي وتتحـرك فـي الأرض، بينمـا القلـب مطمـئن لا يضـطرب باضـطراب النتـائج، ولا يتـأثر بتغــيير الأحـوال. فالمتـوكل عـلي الله سـبحانه وتعـالي قـد يـزرع ولا يحصـد، وقـد يجتهـد ولا يـري الثمـار، وقـد تغـلق أمـامـه الأبـواب رغـم صـدق النيـة. ليقـين المتـوكل إن ليـس التـوكل إن ينـال المـرء مـا يـريد، بـل إن يرضـي بما قسـمه الله سـبحانه وتعـالي، حـتي وإن خالفـت إرادة الله مـراد المـرء لنفسـه. فقـد يكـون الخـير فيمـا منعـه الله سـبحانه وتعـالي، والهـلاك في إرادة النفـس، فالمتـوكل لا يحـزن عـندما تغـلق الأبـواب، بـل يـري فـي ذلـك حكمـة ورحمـة.
التـوكل إن يسـلم المـرء قيـادة حيـاته لمـن يعـلم خفـايا الأمـور وهـو الحكيـم الخـبير، وفـي اليقـين إن الله سـبحانه وتعـالي أرحـم بالمـرء مـن نفسـه، فالله هـو القـادر عـلي تدبيـر الأمـور فـي الحاضـر والمسـتقبل.
القـلق عـلي الـرزق والاضـطراب عـند تـأخـيره، والانكسـار عـند الفقـد والتخـلي، مـا هـو إلا إشـارات إن القـلب ما زال متعـلق بالأسـباب، أكـثر مـن تعلقـه بمسـبب الأســباب
التوحـيد لا يتحـقق إلا حـين يسـتوي فـي قلـب المـرء السـبب وعـدمه، فثقــة المـرء لـم تعـد مربـوطة بالســبب. المـال فـي نظـر المتـوكل وسـيلة لا ضـمانة، والوظـيفة بـاب لا رازق، والنـاس أدوات لا مانحـين ولا مانعـين. فالمتـوكل يأخـذ بالأسـباب، ويتـرك النتـائج عـلي رب الأسـباب. فالمتـوكل يسـعي مطمـئن القلـب، فإذا نجـح حمـد الله ولـم يغـتر، وإذا فشـل شـكر الله ولـم ييـأس، وإذا تـأخـر عـنه مطلـوبه قـال لعـل الله سـبحانه وتعـالي، أختـار لـي مـا هـو خـير، وإذا ضـاق عليـه الحـال قـال لعـل الله سـبحانه وتعـالي، يـريد إن يوسـع قلبـي. وهكـذا يتحـول التـوكل مـن فكـرة نظـرية، إلـي منهــج حيـاة يعيـش به المـرء حـرا مـن الخـوف، ونقيــا مـن الطمـع، وثابتــا عـند الشــدائد، وهـادئا وسـط العواصــف.
فالمتـوكل يسـتمد أمـانه مـن القـرب بالله سـبحانه وتعـالي، ولـم يعـد يخـاف ضـياع شـئ مـن الدنيــا (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا. سـورة الفتـح 18).
الله سـبحانه وتعـالي يـربي عـباده عـلي التـوكل عـبر الأحـداث، فيمنـع قبـل العطــاء، ويضـيق قبـل الســعة، ويكســر التعلقــات قبـل منـح السـكينة. الله سـبحانه وتعـالي يعـلم عبـادة إن البـاب الحقيقـي هـو بـاب الله وحـده لا شـريك له، أمـا بـاقي الأبـواب كـالرزق والنـاس والدنيــا جميعهــا مؤقتــة أو زائـلة. ومـن تعـلق ببـاب مـن أبـواب الدنيــا، صــار أســير لـه لا يطمـئن إلا بـه، فإذا فقـده اضــطرب. رحمـة الله سـبحانه وتعـالي تتجـلي عـندما ينتـزع مـن العبـد ما تعـلق به، لا قسـوة بـل شــفقة، ولا انتقـام بـل تطهــيرا، كمـا جـاء فـي ســورة الطـلاق 3.
وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، آي الله كافيـة ومطمئنـة ومـؤيدة وحافظـة وناصــرة. الكفـاية سـلامة القلــب، وقـد يكـون العطـاء فتنــة تـؤدي بالمـرء إلـي الهـلاك. وكفـي بالله إن يسـقط ما فـي قلــب المـرء مـن وهـم الســيطرة، عـلي مجـريات الأمـور، وعـندما يصـل المـرء إلـي هـذا الفهــم، تتحـول المصـائب إلي رسـائل، والتأخـيرات إلي أختبــار إلهـي، والانكسـار إلـي أبـواب قـرب. وهنـا يبـلغ التـوكل درجـة النضـج، فالبـلاء ليـس خصـما بـل معـلم، والمنـع ليـس حـرمانا بـل حمـاية، والتأخـير ليـس إهمـالا بـل ترتيـب بالـغ الدقـة، لا يـدركه العقـل البشـري القاصـر والمحـدود.
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. سـورة البقـرة 216.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا. سـورة النسـاء 19.
فقـد يكـون الأصـلح فـي صـورة ابتـلاء، لكـن العقـل البشـري المحـدود لا يـري ما خلـف الابتــلاء مـن صـلح.
المتـوكل يعينـه الله سـبحانه وتعـالي عـلي التـوازن بيـن العمـل والطمأنينـة القلبيـة، فالتـوكل لا يعـني تـرك الأســباب والتخـلي عنهـا، فالمتوكـل يسـعي ويخـطط، لكنـه يعـلم يقينــا إن النتـائج بيـد الله سـبحانه وتعـالي، وهـذا التـوازن يخـرج المتـوكل، مـن خضـوع الحيـلة إلي خضـوع القلـب للرحمـن الرحيـم، ومـن عبـودية الأسـباب إلـي عبـودية مســبب الأسـباب. والمتـوكل لا يغتــر بالوســائل، فيحيـد قلبـه عـن الله سـبحانه وتعـالي، أو ييأس فيسـقط فـي هـاوية اليـأس.
فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. سـورة الفجـر.
يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ. سـورة يوسـف 87.
قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ. سـورة الحجـر 56.
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ. سـورة هـود.
لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ. سـورة فصـلت.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. سـورة العنكـبوت 23.
التـوكل الحقيـقي يحفـظ القلـب، فـي كـل حـال فـي السـعة والضـيق، فـي النجـاح والفشـل، فـي الغـني والفقــر. قـلوب المتوكلـين لا تضـعف أمـام الصـعاب، ولا ترتفـع غـرورا فـي النعـم، ليقيـن المتـوكل إن الغفـلة عـن الله سـبحانه وتعـالي، تفسـد العمـل والنيـة مهمـا بـدا ناجحـا ظـاهـريا.
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)
فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا. ســورة الكهـف.
التـوازن بيـن العمـل والتسـليم هـو سـر الاسـتقراء النفسـي والسـلوكي، وبـدون هـذا التـوازن يتحـول العمـل إلـي جهـد بـاطل قـد يكـون غـير مثمـر، وقـد يكـون ســببا للفتنـــة والشــقاء، فيصـبح المـرء عـبدا لأهـوائه وشــهواته. التـوكل والعمـل متلازمـان، كلا منهمـا يكمـل الآخـر، العمـل بلا تـوكل قسـوة عـلي القلــب، والتـوكل بـلا عمـل خمـول وتـواكل.
معـرفة النفـس هـو مفتـاح تزكيـة النفـس، ومـن لا يـدرك نفسـه لـن يـدرك ســبيل إصـلاحها. والنفـس فـي الداخـل تحمـل فـي طيـاتها الأهــواء والشـهوات بلا تجمـيل، فهـي تتعـلق بالملـذات والأهـواء المتقلبـة والغـرور (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. سـورة آل عمـران 14 – الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا. سـورة الكهـف 46).
أول الخطـوات لتزكيـة النفـس، الاعـتراف بالضـعف الداخـلي، حـتي يـدرك المـرء حـدود نفسـه، ليكتشـف نقـاط ضــعفها وأمراضـها (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا. سـورة الشـمس)، إصـلاح النفـس يبـدأ بالحـوار لا بالصـراع، وعـندما تتهـذب النفـس تتعـرف عـلي الطمأنينـة والسـكينة فتأنســها، وترفـض التظـاهر بالفضـيلة، والتعـلق بالمظـاهر. إصـلاح المـرء يبــدأ مـن الـداخـل، والـداخـل ينعكـس تلقـائيا عـلي الخـارج، فيبتعــد المـرء عـن العبـادة الشـكلية، والفـرائض بـدون خشــوع وخضـوع، والصـدقات بـدون إخـلاص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. سـورة الحشـر). تزكيـة النفـس ليســت مجـرد الابتعـاد عـن المعاصـي، بـل غـرس الفضـائل والتقـوي (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ. سـورة البقـرة 197)، وتربيـة القلـب عـلي الخضـوع لله وإتبــاع المنهـج والتكـليف. الـواعي والعـاقل هـو مـن يقـف عـلي نفسـه مراقبــا لهـا، متفكــرا فـي دوافعهــا، متـأملا فـي تصــرفاته ومقاصــده. المراقبـة والمحاسـبة ليســت عـادة، بـل منهــج وقـاعـدة لكـي تســتقيم الحيـاة الدنيـا عـلي الصـراط المسـتقيم، بعـيدا عـن الغفـلة والضـلال فـي صـراط الحجـيم. الـذكـر الـدائـم إصـلاح، إذا تركـت النفـس فـي هـزلة عـن الحـق، تفسـد وتنسـي ويضـعف عزمهـا (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا. سـورة طـه 115). وتزكيـة النفـس تشـمل التخلـص مـن الأمـراض الخفـية، فـي العجـب والكـبرياء والـرياء والحسـد وحـب الظهـور (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ. سـورة الـرعد 11). عنـدما تسـتقر الأمـراض الخفيـة فـي القلــب، تفسـد النيـة وتشـوة الأعمـال وتقـود إلـي صـراط الحجـيم، ولهـذا آخـر ســورتين فـي كتـاب الله سـبحانه وتعـالي، سـورة الفـلق وسـورة النـاس، فيهمـا الحصـن عـلي التخـلص مـن الأمـراض الخفيــة.
وأخـيرا إن أحسـنت فمـن توفيـق الله سـبحانه وتعـالي وإن أخطـأت فمـن نفسـي والشـيطان.
خـالـد عـبد الصـمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ