

الـوعي وإتـاحة الحقيقــة والنســيان (الجــزء 1):-
قـال الله سـبحانه وتعـالي (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ. سـورة الروم 54)، فحيـاة الإنسـان أطـوارا (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا. سـورة نـوح). قـد يـأول البعـض الأطـوار هـي مـراحـل التخليـق فـي بطـن الأم وظهـر الأب فقـط، دون الأخـذ الشـمولي (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. سـورة المؤمنـون).
حيـاة الإنسـان فـي الدنيـا مـا هـي إلا أطـوارا، ضــعف فـي الطفـولة، ثـم قـوة فـي الشـباب، ثـم ضـعف فـي الكهـولة والشـيخوخة “الشــيبه” (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ. سـورة النحـل 70). حيـاة الإنسـان أطـوارا، المـوت السـريري فيـه الرجـوع إلـي الأرض والتـي كـان منهـا النشـأة الأولـي “البـدن”، والبـرزخ هـو فـترة زمنيـة لهـا الزمكـان الخـاص بهـا للنفـس (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. سـورة المؤمنـون 100 – وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ. سـورة يونـس 45)، ثـم البعـث وهـو خـلق جـديد لـه السـنن والقوانيـن الحاكمـة لـه، وهـذه المرحـلة هـي الحيـاة الحقيقـية فـي الخـلود (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ. سـورة البينـة – وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. سـورة العنكبـوت 64).
فـي خضـم الحيـاة الدنيـا، يتعـارف الإنسـان عـلي العـديد مـن الأفـراد، وفـي هـذا التعـارف قـد يكـون الهـوي والشـهوات، وقـد يكـون المـزيد مـن الهـداية، ومـع التمسـك بالإيمـان والسـعي إلـي العـزلة الحميـدة، والتـي هـي حبـل الوصـال مـع الله سـبحانه وتعـالي رب العرش العظـيم، ومـن خـلال التعـارف يظهـر العـديد مـن النـاس عـلي حقيقتهـم. وقـال الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم فـي الصـحبة والتعـارف.
المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ.
الـراوي: أبو هـريرة والمحـدث: ابـن بـاز والمصـدر: مجمـوع فتـاوى ابـن بـاز وخلاصـة حكـم المحـدث: صـحيح.
مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صاحِبِ المِسْكِ وكِيرِ الحَدَّادِ؛ لا يَعْدَمُكَ مِن صاحِبِ المِسْكِ إمَّا تَشْتَرِيهِ أوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أوْ ثَوْبَكَ، أوْ تَجِدُ منه رِيحًا خَبِيثَةً.
الـراوي: أبو موسى الأشـعري والمحـدث: البخـاري والمصـدر: صـحيح البخـاري وخلاصـة حكـم المحـدث: صـحيح.
كـان الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم، حريصـا عـلي تعليـم أمتـه ما ينفعهــا فـي دينهــا ودنيـاها، وما يحفـظ عليهـم علاقـاتهم الطيبـة، وكـان يحـض عـلي التواصـل والتـواد بيـن المسـلمين. المـرء يصـاحب مـن يشـابهه فـي سـيرته وعـاداته، وهـذا يؤثـر فـي الأخـلاق والسـلوك والتصـرفات. المؤمـن يـدفع صـاحبه دائمـا وابـدا إلـي المـزيد مـن الإيمـان والهـدي والخـير، والطـالح يـدفع صـاحبه دائمـا وابـدا إلـي المـزيد مـن الضـلال والفسـق والفجـور.
مصـاحبة الصـالحين ومجالسـتهم مـن شـيم الأخيـار، وهـو الصـراط المسـتقيم لنيـل الرضـا والسـعادة فـي الداريـن. أمـا مصـاحبة الأشـرار الطالحـين مـن شـيم ضـعاف النفـوس، وهـو صـراط الجحـيم المـؤدي إلـي الخسـارة والبـوار.
عـندما يصـلح الإنسـان مـن نفسـه بالاقـتراب مـن الله سـبحانه وتعـالي، وأتبـاع المنهـج والتكلـيف والفطـرة السـليمة والسـنن الإلهيـة، تتكشـف لـه حقـائق مـن فـي محيطـه، وبعـد البعـض ليـس عقـابا، بـل رحمـة. ففـي الفقـد والصـمت والابتعـاد تطهـير القـلوب، لتعـود إلـي الله سـبحانه وتعـالي، وهـذا مـن سـمات أهـل الجنـة (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ. سـورة الحجـر).
عـندما يتغـير مـن بالمحيـط، فهـذا يبــدأ بالتجـاهل وهـذا يبتعـد دون أسـباب واضـحة، البعـض منهـم كـان سـندا، فتـرك وكـأنـك لـم تكـن يومـا مهمـا فـي حيـاته. هنـا تتـدافع الأسـئلة وعـلي رأســها لمـاذا؟ وأيـن الخـلل؟.
وهـنا قــد يظهـر المعـني العمـيق، رفـع حجـاب الحقيقــة لكـي يـري المـرء حقيقــة مـن بالمحيــط، سـواء بشـكل تدريجـي أو قطـعي. وهـذا نـوع مـن الإنقــاذ، لـو كـان فـي المحيـط طـريق الخـير الخالـص، مـا كـان لله سـبحانه وتعـالي إن يـأخذه أو يمنـعة أو يحجبــة.
أكتفـي بهـذا القـدر ونكمـل فـي الأجـزاء القـادمة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خـالـد عـبد الصـمد.
أضف تعليق